أسيوط: عماد صابر العمدة
تزخر محافظة أسيوط بعدد كبير من المساجد التي ارتبطت بتاريخها الديني والاجتماعي والثقافي، وظلت على مر السنين شاهدًا على عراقة العمارة الإسلامية وعمق حضور المسجد في حياة المجتمع المصري.
ويعد من بين أبرز هذه المساجد مسجد السلطان الفرغل بمدينة أبوتيج، ذلك الصرح الديني الذي ارتبط اسمه بالعارف بالله الشيخ محمد بن أحمد الفرغل، المعروف بـ«سلطان الصعيد»، وأصبح المسجد بما يضمه من مقام تاريخي وساحة واسعة ومكتبة ومكونات معمارية مميزة أحد أبرز المزارات الدينية المعروفة في صعيد مصر.
من هو السلطان الفرغل
الشيخ محمد بن أحمد الفرغل، الذي اشتهر باسم السلطان الفرغل، وُلد في أوائل القرن التاسع الهجري، وتذكر المصادر أنه وُلد بقرية بني سميع التابعة لمركز أبوتيج سنة 810هـ تقريبًا، ونشأ في بيئة صعيدية بسيطة.
وتروي المصادر المتداولة في سيرته أنه عمل في بداية حياته في رعي الأغنام، ثم اشتغل بالحراسة والزراعة، واشتهر بالأمانة والورع، قبل أن ذاع صيته بين أهل الصعيد وأصبح من الشخصيات الدينية والروحية البارزة في عصره.
كما تذكر المصادر أن نسبه من جهة الأب يرجع إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما، ومن جهة الأم إلى الإمام الحسين رضي الله عنهما.
وترتبط شهرة لقب «سلطان الصعيد» بروايات تاريخية تتحدث عن لقاء الشيخ بالسلطان المملوكي جقمق في القاهرة، وما دار بينهما من حديث حول العدل بين الناس، وهي الرواية التي أصبحت من أشهر القصص المتداولة في سيرة السلطان الفرغل.
وتذكر المصادر أن الشيخ تُوفي في منتصف القرن التاسع الهجري، ودُفن في أبوتيج، وأصبح مقامه مقصدًا للزائرين ومحبي آل البيت وأتباع الطرق الصوفية.
مسجد ارتبط بالتاريخ والعمارة الإسلامية
ارتبط موضع المسجد الحالي بتاريخ طويل؛ وتشير المصادر المنشورة إلى أن المسجد الحالي جاء على أنقاض مسجد أقدم، ثم شهد مراحل من إعادة البناء والتجديد، من بينها إعادة تشييده في العصر العثماني، قبل أن يُعاد بناؤه وتجديده في العصر الحديث.
كما تشير مصادر صحفية إلى أن المبنى شهد تجديدًا في عام 1989م، وهو ما يعكس تعدد المراحل التي مر بها هذا الصرح الديني عبر تاريخه.
ويتميز المسجد في صورته الحالية باتساعه ووجود قبة بارزة فوق مقام السلطان الفرغل ومئذنتين، إلى جانب الساحات التي تستوعب أعدادًا كبيرة من المصلين والزائرين، وهو ما منحه حضورًا مميزًا في المشهد العمراني والديني بمدينة أبوتيج.
تطوير وترميم يحافظ على مكانته التاريخية
وفي عام 2018م شهد مسجد السلطان الفرغل عملية تطوير وترميم شاملة، عُدت من أبرز مراحل التجديد في تاريخه الحديث، بتكلفة إجمالية بلغت نحو مليوني جنيه.
وشملت أعمال التطوير توسعة المسجد من الداخل مع الحفاظ على ملامح البناء، وترميم ودهان أجزاء المسجد، وإنشاء مصلى مخصص للسيدات مع مكان وضوء منفصل، وتجديد دورات المياه، وتركيب أجهزة تكييف وإضاءة جديدة، فضلًا عن فرش المسجد بالكامل.
كما جرى تطوير الساحة الخارجية للمسجد وإزالة الإشغالات والأكشاك منها، وتركيب مظلات جديدة لحماية المصلين والزائرين، على غرار المظلات الموجودة في مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، بما يتناسب مع المكانة الدينية والتاريخية للمسجد.
وفي مايو 2018 افتُتح المسجد بعد أعمال التطوير والترميم، بحضور عدد من القيادات التنفيذية والدعوية بالمحافظة، ليعود في صورة أكثر ملاءمة لاستقبال المصلين والزائرين.
منارة دينية وثقافية في قلب أبوتيج
ولا تقتصر أهمية مسجد السلطان الفرغل على إقامة الشعائر، وإنما تمتد إلى دوره الديني والثقافي والاجتماعي؛ فالمسجد يستقبل المصلين والزائرين على مدار العام، كما تضم منشآته مكتبة جرى تطويرها وتجهيزها بالكتب لتكون موردًا للمعرفة والثقافة الدينية.
ويزداد حضور المسجد بصورة لافتة خلال مولد السلطان الفرغل، الذي أصبح مناسبة دينية واجتماعية بارزة في مدينة أبوتيج، ويستمر الاحتفال به لنحو خمسة عشر يومًا وفق ما تذكره وزارة الأوقاف، ويشهد توافد أعداد كبيرة من الزائرين وأبناء الطرق الصوفية، إلى جانب حلقات الذكر والإنشاد والفعاليات المصاحبة.
وتحولت هذه المناسبة على مدار عقود إلى مشهد اجتماعي واسع تتداخل فيه الجوانب الدينية والثقافية مع النشاط التجاري الذي تشهده المدينة خلال فترة المولد، الأمر الذي جعل المسجد ومحيطه جزءًا أصيلًا من الذاكرة الشعبية لأبناء أبوتيج وصعيد مصر.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم