أثار مقترح الدكتور حسام موافي، أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني، بشأن إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام بعد تنفيذ الأحكام، نقاشًا حول الموقف القانوني من هذه المسألة، وما إذا كان صدور حكم قضائي بالإعدام وتنفيذه يسمح باستئصال أعضاء المحكوم عليه والاستفادة منها في علاج المرضى.
وتطرح الفكرة عددًا من التساؤلات القانونية، في مقدمتها: هل يصبح جسد المحكوم عليه بعد تنفيذ الحكم خاضعًا لإجراءات مختلفة عن باقي المتوفين؟ وهل يمكن استئصال أعضائه دون موافقته أو وصيته؟ وما المسؤولية الجنائية المترتبة على مخالفة الضوابط التي وضعها القانون؟
وفي هذا السياق قال الخبير القانوني أحمد يوسف إن الأصل العام هو عدم جواز أخذ أعضاء المحكوم عليه بالإعدام جبرًا أو تلقائيًا لمجرد صدور الحكم وتنفيذه، مؤكدًا أن تنفيذ العقوبة لا يعني بذاته إباحة استئصال أعضاء المحكوم عليه أو انتقال أي حق في جسده إلى الدولة.
قانون زرع الأعضاء يحدد ضوابط التعامل مع جسد المتوفى
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن مسألة نقل الأعضاء من جسد الإنسان المتوفى تخضع لأحكام القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية وتعديلاته.
وأشار إلى أن المادة 8 من القانون نظمت نقل الأعضاء من جسد الإنسان الميت، وأجازت ذلك عند الضرورة التي تقتضيها المحافظة على حياة إنسان حي أو علاجه من مرض جسيم أو استكمال نقص حيوي في جسده، بشرط أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل وفاته بوصية موثقة أو مثبتة في ورقة رسمية، أو أقر بذلك وفقًا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية للقانون.
وبالتالي، فإن نقل الأعضاء من جسد المتوفى لا يكون مباحًا لمجرد تحقق الوفاة، وإنما يجب توافر الشروط التي حددها القانون، وفي مقدمتها وجود وصية أو إقرار بالتبرع وفق الكيفية التي رسمها القانون ولائحته التنفيذية، إلى جانب استيفاء الضوابط الطبية والقانونية الأخرى.
هل تكفي موافقة أسرة المحكوم عليه؟
وبحسب الخبير القانوني، فإن إرادة الإنسان هي الأساس في التبرع بأعضائه بعد الوفاة، ولا يُعد صدور حكم الإعدام أو تنفيذ العقوبة موافقة على استئصال الأعضاء.
وأشار إلى أن المادة 60 من الدستور المصري قررت أن لجسد الإنسان حرمة، وحظرت الاتجار بأعضائه، كما اشترطت الرضا الحر الموثق في الحالات التي حددها الدستور.
كما نصت المادة 61 على أن التبرع بالأنسجة والأعضاء «هبة للحياة»، وأن لكل إنسان الحق في التبرع بأعضاء جسده أثناء حياته أو بعد مماته بموجب موافقة أو وصية موثقة، مع التزام الدولة بتنظيم قواعد التبرع بالأعضاء وزراعتها وفقًا للقانون.
وأكد أحمد يوسف أن أسرة المحكوم عليه لا تملك، بمجرد موافقتها، إنشاء حق في استئصال أعضائه إذا لم تتوافر الشروط القانونية المتعلقة بإرادة المتوفى، كما أن إدارة السجن أو جهة تنفيذ حكم الإعدام لا تملك استئصال أعضائه لمجرد صدور الحكم أو تنفيذه.
عقوبات مشددة عند مخالفة قانون زرع الأعضاء
وتطرق الخبير القانوني إلى المسؤولية الجنائية التي يمكن أن تترتب على استئصال أعضاء محكوم عليه بالإعدام بالمخالفة للقانون، موضحًا أن قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية، المعدل بالقانون رقم 142 لسنة 2017، قرر عقوبات جنائية مشددة تختلف بحسب طبيعة المخالفة والنتائج المترتبة عليها.
وأوضح أن المادة 17 تعاقب على نقل عضو بشري أو جزء منه بقصد الزرع بالمخالفة لبعض أحكام القانون بالسجن المشدد وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه، وتشتد العقوبة إذا ترتب على الفعل وفاة المتبرع.
كما تنص المادة 18 على عقوبات تتعلق بإجراء عمليات نقل أو زرع الأعضاء في منشآت طبية غير مرخصة، بينما تتناول المادة 19 النقل بطريق التحايل أو الإكراه، وتصل العقوبات في بعض الحالات التي حددها القانون إلى السجن المؤبد أو الإعدام إذا ترتب على الجريمة وفاة المنقول منه أو إليه.
وأشار إلى أن المادة 21 تتعامل مع حالة نقل عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان دون ثبوت موته ثبوتًا يقينيًا، وفق الضوابط القانونية، إذا أدى ذلك إلى وفاته مع العلم بذلك، وتقرر عقوبة القتل العمد مع سبق الإصرار في الحالة التي حددتها المادة.
التحقق من الوفاة شرط أساسي قبل استئصال الأعضاء
وأكد أحمد يوسف أن ثبوت الوفاة يمثل شرطًا سابقًا ولازمًا لاستئصال الأعضاء، ولا يكفي مجرد توقف القلب أو انتهاء تنفيذ عقوبة الإعدام.
وأوضح أن القانون ولائحته التنفيذية وضعا ضوابط للتحقق من الوفاة، وأن إثباتها يتم وفق الإجراءات الطبية والقانونية المقررة، ومن خلال لجنة طبية متخصصة بعد إجراء الفحوص والاختبارات اللازمة.
وبالنسبة للمحكوم عليه بالإعدام، فإن تنفيذ الحكم لا يعني أن جسده أصبح مباحًا للاستئصال، إذ تظل حرمة الجسد قائمة، ولا يجوز استئصال أعضائه إلا في إطار القواعد التي وضعها قانون تنظيم زرع الأعضاء، وبعد تحقق الوفاة وفق الضوابط الطبية والقانونية.
كما أشار إلى أن قانون الإجراءات الجنائية ينظم إثبات وفاة المحكوم عليه في محضر التنفيذ بشهادة الطبيب.
ما الفرق بين المحكوم عليه بالإعدام والمتبرع المتوفى؟
ويتمثل الفارق القانوني الأساسي في أن صفة المحكوم عليه بالإعدام لا تمنح الدولة أو أي جهة أخرى سلطة تلقائية على جسده أو أعضائه، إذ تظل عملية نقل الأعضاء خاضعة للقواعد العامة المنظمة للتبرع من المتوفين.
وبحسب أحمد يوسف، فإن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة يرتبط بالموافقة أو الوصية الموثقة، إلى جانب الالتزام بالإجراءات والضوابط التي حددها القانون، بينما لا يمكن اعتبار تنفيذ حكم الإعدام في حد ذاته موافقة على التبرع.
وبذلك، فإن أي بحث في إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام يظل مرتبطًا بمدى توافق الإجراء مع قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية، وضوابط التحقق من الوفاة، واشتراطات الموافقة أو الوصية، فضلًا عن المسؤولية الجنائية التي قد تترتب على مخالفة تلك الضوابط.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم