كتبت: نجوى إبراهيم
من قلب الصحراء، حيث الحرارة الشديدة في الصيف والبرد القارس في الشتاء، كان رقيب نبيل عبدالله عبد المجيد يؤدي مهمته ضمن الفرقة الرابعة مدرعات بالجيش الميداني الثاني، قائدًا للدبابة رقم 22، مستعدًا لخوض واحدة من أهم المعارك في تاريخ مصر.
لم تكن مهمته سهلة، فموقع خدمته في منطقة الكفرة كان يبعد نحو 25 كيلومترًا عن قناة السويس، وكانت الفرقة مكلفة بمهمة واضحة: التصدي لأي محاولة للعدو للعبور غرب القناة والوصول إلى القاهرة.
يستعيد نبيل تلك الأيام قائلًا إن قواته كانت تنفذ مناورات متكررة حتى خط القناة، ثم تعود إلى مواقعها، في إطار الاستعداد للمعركة المرتقبة.
ويقول: «كنا ننفذ مناورات لحد خط القنال ثم نعود مرة أخرى إلى نفس المكان، ونفذنا خطة تسمى إحباط الإحباط».
لم يكن التدريب بالنسبة للجنود مجرد تدريبات عسكرية تقليدية، وإنما شمل معرفة دقيقة بطبيعة الأرض التي ستدور عليها المعركة، حيث يؤكد نبيل أنهم تدربوا على طبوغرافية المنطقة، بينما كانت القيادة تضع الخطط وتتابع تنفيذها على الأرض.
ويضيف: «القيادة كانت واعية تخطط ونحن ننفذ، وقواتنا كانت أقل منهم، ولكن انتصرنا بفضل الله وعقيدتنا، وهذا هو الفرق بيننا. نحن نحارب عن عقيدة: إما النصر أو الشهادة، ولكنهم يحاربون من أجل الحياة».
عندما أصبح الجيش المصري وجهًا لوجه مع العدو
ومع نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، تغير شكل المواجهة، وأصبح الجنود المصريون في مواجهة مباشرة مع القوات الإسرائيلية.
ويصف نبيل تلك اللحظة بطريقته الخاصة قائلًا: «بعد تدمير خط بارليف أصبح الجيش المصري وجهًا لوجه مع العدو الإسرائيلي، بمعنى أصح إحنا خدناهم بالحضن».
وكانت المواجهة المباشرة تحمل اختبارًا جديدًا للجنود، لكن نبيل يتذكر أن الروح المعنوية بين أفراد القوات المصرية كانت مرتفعة، وأن الجنود كانوا ينتظرون المواجهة بثبات وثقة.
ويقول إن جنود العدو الإسرائيلي كانوا يفرون من أمام القوات المصرية خوفًا من المواجهة، مؤكدًا أن الحالة المعنوية للجنود المصريين كانت مختلفة تمامًا، وأنهم كانوا على استعداد للقاء العدو في أرض المعركة.
جندي إسرائيلي يختار الاستسلام
ومن بين المواقف التي بقيت في ذاكرة نبيل خلال الحرب، واقعة تؤكد أن المعركة لم تكن مجرد مواجهة بالسلاح، وإنما شهدت أيضًا مواقف إنسانية التزم خلالها الجنود المصريون بالقيم التي تربوا عليها.
يستعيد نبيل إحدى هذه الوقائع قائلًا إنه وجد جنديًا إسرائيليًا ألقى سلاحه، ثم قطع جزءًا من «الأفارول» الذي يرتديه، في إشارة واضحة إلى استسلامه.
وفي تلك اللحظة، لم يتعامل نبيل معه باعتباره عدوًا يجب التخلص منه، وإنما التزم بما تربى عليه من أخلاق وقواعد التعامل مع المستسلمين.
ويقول: «ما كان مني إلا أن التزمت بالأخلاق التي تربينا عليها، ولم أطلق عليه النار نهائيًا، وتم أسره».
وتكشف هذه الواقعة جانبًا آخر من شهادات أبطال حرب أكتوبر، حيث لم تكن الشجاعة في مواجهة العدو فقط، وإنما ظهرت أيضًا في الالتزام بالقيم والمبادئ حتى في أصعب لحظات الحرب.
محمد نور الدين شاكر.. مهام شديدة الخطورة خلف خطوط المواجهة
وتتواصل شهادات أبطال أكتوبر مع البطل محمد نور الدين شاكر، الجندي بسلاح المهندسين العسكريين، الذي ارتبطت مهمته بأحد أكثر الأدوار خطورة خلال العمليات العسكرية، وهي التعامل مع الألغام وتأمين الطرق أمام القوات.
يوضح محمد أن مهمة المهندسين العسكريين كانت نزع جميع أنواع الألغام، وتأمين الطرق قبل تحرك الجنود لتنفيذ المهام المختلفة، فلم يكن مسموحًا لأي جندي بالتحرك في مهمة دون الرجوع إلى قوات المهندسين لتأمين الطريق.
وكان مكان خدمته في معسكر عز الدين بالإسماعيلية، حيث ارتبط عمله بشكل مباشر بتأمين حركة القوات والتعامل مع المخاطر التي قد تعترض تقدمها.
يومان بلا إفطار
ومن التفاصيل التي يستعيدها محمد نور الدين شاكر من أجواء الحرب، صعوبة أداء أبسط العادات اليومية في ظل الغارات والقصف المستمر.
ويقول إن الجنود كانوا في بعض الأحيان يصومون يومين متتاليين، بسبب الغارات التي كان ينفذها العدو في توقيت الإفطار، ما جعل الحصول على الطعام أو حتى الاستعداد للإفطار أمرًا بالغ الصعوبة في بعض أيام القتال.
وتكشف هذه التفاصيل جانبًا من الحياة اليومية للجنود في الجبهة، حيث كان عليهم مواصلة مهامهم في ظل ظروف استثنائية، مع استمرار القصف والاشتباكات.
موسى قلادة.. رفيق سلاح لم يترك المعركة
ومن بين الأسماء التي ظلت حاضرة في ذاكرة محمد نور الدين شاكر، اسم البطل الشهيد موسى قلادة، الذي يتذكره باعتباره أحد رفاق السلاح الذين واصلوا القتال رغم الإصابة.
ويقول عنه إن إصابته لم تمنعه من الاستمرار في المعركة، وظل يحارب مع زملائه حتى آخر نفس.
وتبقى قصة موسى قلادة، كما يرويها رفيق السلاح، واحدة من الشهادات التي تختصر حجم التضحية التي قدمها جنود القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، حين كان الجندي يعرف أن المهمة قد تكلفه حياته، لكنه يواصل أداء واجبه حتى النهاية.
حكايات من قلب المعركة
وبين دبابة يقودها نبيل عبدالله عبد المجيد في صحراء الكفرة، وجندي من العدو يختار الاستسلام، ومهندسي عسكري يفتح الطريق أمام القوات وسط حقول الألغام، ورفيق سلاح يواصل القتال رغم إصابته، تتشكل صورة إنسانية مختلفة لحرب أكتوبر.
فالنصر، كما يروي أبطال المعركة، لم يكن وليد لحظة واحدة، وإنما نتيجة سنوات من التدريب والاستعداد والانضباط، وإيمان الجنود بأن أمامهم مهمة لا خيار فيها سوى تنفيذها.
ومن بين هذه الشهادات تبقى كلمات نبيل عبدالله عبد المجيد تلخص جانبًا من روح الجندي المصري في تلك المعركة: «إما النصر أو الشهادة».
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم