في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لحماية حقوق الفتيات وتمكينهن من بناء مستقبل آمن، تجدد وزارة الأوقاف تأكيدها أن رعاية الطفلة وصون كرامتها وضمان حقوقها في التعليم والصحة والحياة الكريمة ليست مجرد التزامات مجتمعية.
بل هي مسئولية إنسانية وأخلاقية أصيلة يؤكدها الدين الإسلامي، الذي جعل الرحمة والعدل وحسن التربية أسسًا للتعامل مع الأبناء، ورفض كل صور التمييز والانتقاص من كرامة الإنسان.
وبمناسبة اليوم الدولي للطفلة، الذي يوافق الحادي عشر من أكتوبر من كل عام، تسلط الوزارة الضوء على أهمية تكثيف الجهود لمواجهة زواج الأطفال والممارسات الضارة التي تهدد سلامة الفتيات ومستقبلهن، انطلاقًا من شعار المناسبة لعام 2026: «أوقفوا زواج الأطفال واستثمروا في حقوق الفتيات!».
وهو شعار يعكس ضرورة الانتقال من مجرد الحديث عن الحقوق إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن حمايتها وترجمتها إلى واقع ملموس.
وتأتي هذه المناسبة، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011، لتعيد طرح قضية الطفلة باعتبارها إحدى القضايا المحورية المرتبطة بمستقبل المجتمعات، حيث لا يمكن تحقيق التنمية الحقيقية دون توفير بيئة آمنة للفتيات، تتيح لهن استكمال تعليمهن، وتنمية مواهبهن، والحصول على الرعاية الصحية والنفسية، بعيدًا عن الممارسات التي قد تحرمهن من حقوقهن الأساسية.
الإسلام يكرم الفتاة ويرفض الانتقاص من حقوقها
يضع الإسلام كرامة الإنسان في مقدمة القيم التي يقوم عليها المجتمع، ويؤكد أن التفاضل لا يكون على أساس النوع، وإنما على أساس العمل الصالح والتقوى، وهو ما يتجلى في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
كما واجه القرآن الكريم بوضوح النظرة الجاهلية التي كانت تنتقص من شأن الأنثى، وتستقبل ولادتها بالحزن والضيق، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]، في تأكيد واضح لرفض كل تصور ينتقص من قيمة الفتاة أو يجعلها أقل شأنًا من الذكر.
ولم يقف التوجيه النبوي عند حدود تأكيد مكانة البنات، بل حث على الإحسان إليهن ورعايتهن، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» رواه البخاري.
وتؤكد هذه النصوص أن العناية بالفتيات ليست من قبيل التفضل أو المنحة التي تقدمها الأسرة، وإنما هي مسئولية تقوم على الرعاية والرحمة وحفظ الكرامة، بما يضمن تنشئة إنسان قادر على المشاركة الإيجابية في بناء أسرته ومجتمعه.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الخطاب الديني المستنير في تصحيح المفاهيم المغلوطة التي قد تستند إلى أعراف اجتماعية لا تراعي مصلحة الطفلة، والعمل على نشر ثقافة أسرية تقوم على الحوار والتفاهم والتربية السليمة، وتمنح الفتاة الفرصة الكاملة للنمو والتعلم واكتساب الخبرات التي تؤهلها لمستقبل أفضل.
زواج الأطفال.. مخاطر تهدد المستقبل
يمثل زواج الأطفال إحدى القضايا التي تتطلب تضافر الجهود الدينية والتربوية والصحية والقانونية، لما قد يرتبط به من مخاطر صحية ونفسية واجتماعية، فضلًا عما قد يترتب عليه من انقطاع الفتاة عن التعليم، وتراجع فرصها في تنمية قدراتها، وتحملها مسئوليات تفوق استعدادها العمري والنفسي.
وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة معالجة جذورها الفكرية والاجتماعية، من خلال توعية الأسر بمخاطر الزواج المبكر، وتصحيح الموروثات والعادات الخاطئة، وتعزيز الوعي بحقوق الأطفال، مع توفير آليات الحماية التي تضمن عدم تعرض الفتيات للاستغلال أو الإكراه أو الحرمان من التعليم والرعاية.
وفي هذا الإطار، تتكامل جهود الدولة المصرية لحماية الطفولة والمرأة، من خلال المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها المجلس القومي للطفولة والأمومة، الذي يضطلع بدور في تعزيز منظومة حماية الأطفال ومواجهة الممارسات الضارة.
وتشمل الجهود الوطنية التصدي لزواج الأطفال من خلال مبادرة «غزل بنات»، إلى جانب مبادرة «صحة فرح» للتوعية بالقضايا الصحية الخاصة بالفتيات، فضلًا عن الجهود المبذولة لمناهضة ختان الإناث، الذي يجرمه القانون المصري، مع تشديد العقوبات على مرتكبيه بموجب القانون رقم 10 لسنة 2021، بما يشمل صورًا من التحريض عليه والترويج له والدعوة إلى ارتكابه.
وتؤكد هذه الجهود أن حماية الفتيات لا تتحقق بالتشريعات وحدها، على أهميتها، وإنما تحتاج أيضًا إلى تغيير الوعي المجتمعي، وتعزيز مسئولية الأسرة، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والتعليمية والصحية والإعلامية، حتى تصبح حماية الطفلة ثقافة راسخة وممارسة يومية.
الأوقاف تتحرك من المنابر إلى ميادين التوعية
وفي مواجهة المفاهيم الخاطئة التي قد تنتقص من حقوق الفتيات، تواصل وزارة الأوقاف جهودها الدعوية والتثقيفية، مستندة إلى خطاب ديني يربط بين تعاليم الإسلام وقضايا المجتمع، ويعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة وترسيخ قيم الرحمة والعدل وحسن التربية.
وشملت جهود الوزارة تنظيم 27 ندوة علمية بعنوان «زواج الأطفال.. بين العرف الفاسد ورأي الشرع»، تناولت القضية من منظور شرعي ومجتمعي، وسلطت الضوء على أهمية التمييز بين التعاليم الدينية الصحيحة والعادات التي قد تلحق الضرر بالأطفال وتؤثر سلبًا في مستقبلهم.
كما نفذت الوزارة، بالتعاون مع وزارة الصحة والسكان، 346 ندوة توعوية خلال عام 2026 حول قضايا السكان والمرأة والصحة الإنجابية، في إطار تعزيز الوعي المجتمعي بالقضايا التي تمس صحة الأسرة واستقرارها، وإبراز أهمية التثقيف السليم في حماية الفتيات ودعم حقوقهن.
وامتدت الأنشطة الدعوية إلى مراكز الشباب، حيث نفذت الوزارة 1011 قافلة دعوية خلال العام نفسه، بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة، تحت عنوان «التربية تقوم على الرفق والرحمة»، بما يعزز التواصل المباشر مع الشباب والأسر، ويقدم المفاهيم الدينية والتربوية بأسلوب قريب من احتياجات المجتمع.
وشملت الجهود كذلك 26 قافلة دعوية للواعظات، و625 ندوة علمية بالمديريات الحدودية تحت عنوان «القسوة ليست وسيلة للتربية»، لتأكيد أن بناء شخصية الطفل لا يتحقق بالعنف أو التخويف، وإنما يقوم على الاحتواء والحوار والتوجيه، مع مراعاة احتياجات الأبناء النفسية والاجتماعية.
وتكشف هذه الأنشطة عن اتساع نطاق الدور التوعوي الذي تضطلع به الوزارة، إذ لا يقتصر على بيان الأحكام الشرعية، بل يمتد إلى معالجة القضايا الأسرية والاجتماعية، وتصحيح المفاهيم التي قد تتحول إلى ممارسات تضر بالأطفال، مع دعم أساليب التنشئة القائمة على الرحمة والمسئولية.
وفي سياق الاهتمام بقضايا المرأة، تستعد الوزارة للإعلان عن مجلة متخصصة في هذا المجال، بما يتيح مساحة أوسع لتناول قضايا المرأة وحقوقها ومكانتها داخل الأسرة والمجتمع، ويدعم نشر الوعي بقضاياها من منظور ديني ومجتمعي مستنير.
حماية الفتيات مسئولية مشتركة
وفي اليوم الدولي للطفلة، تتجدد الدعوة إلى جعل حماية الفتيات أولوية تتشارك فيها الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والصحية والمجتمعية، من خلال مواجهة الممارسات الضارة، وتوفير فرص التعليم والرعاية، وتعزيز الوعي بحقوق الأطفال، وترسيخ ثقافة تحترم كرامة الفتاة وتدعم قدرتها على تحقيق طموحاتها.
فالمجتمع الذي يحمي بناته ويستثمر في تعليمهن ورعايتهن يضع أساسًا أكثر قوة لاستقرار الأسرة وتقدم الوطن، ويحول القيم الدينية والإنسانية إلى واقع يحفظ للطفلة حقها في طفولة آمنة ومستقبل كريم.
وتؤكد رسالة وزارة الأوقاف أن بناء الوعي يمثل خطوة أساسية في طريق الحماية، وأن الكلمة الدينية المسئولة قادرة على الإسهام في تصحيح المفاهيم ومواجهة العادات الخاطئة، بما يعزز مكانة الفتاة ويحفظ حقوقها، ويؤسس لمجتمع يقوم على الرحمة والعدل واحترام الإنسان.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم