د.خالد محسن يكتب: صراع فوق “الأمواج” !!

“الجرف القاري” والمنطقة الاقتصادية الخالصة.. أعراف دولية أم ساحة للنزاع؟!

لم تكن البحار والمحيطات يوماً مجرد مسارات للملاحة والتجارة العالمية، بل كانت ولا تزال مسرحاً “جيوسياسياً” تتشابك فيه المصالح الاستراتيجية وتتصادم حوله أطماع الدول.

ومع الطفرة التكنولوجية الهائلة وزيادة الطلب العالمي على موارد الطاقة والأنشطة الاقتصادية البحرية، انتقل الصراع من مجرد فرض السيطرة على المياه الإقليمية الساحلية، إلى صراع معقد وعميق يمتد لأعماق البحار وقيعان المحيطات؛ صراع يُخاض تحت عنوانين قانونيين واستراتيجيين في غاية الأهمية: “الجرف القاري” (Continental Shelf) و”المنطقة الاقتصادية الخالصة” (Exclusive Economic Zone).

 

• تفكيك المفاهيم.. الحدود الفاصلة والمكاسب الاستراتيجية:

لكي نفهم طبيعة هذا الصراع ،وقراءة وتحليل شفراته القانونية، لا بد من الوقوف على التمايز الفني والاستراتيجي بين هذين المفهومين اللذين أقرتهما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، علي النحو التالي:

ـ المنطقة الاقتصادية الخالصة (منصة الموارد والملاحة):

تمتد حتى 200 ميل بحري من خطوط الأساس للساحل، وتمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية حصرية للاستكشاف واستغلال الثروات الحية وغير الحية في عمود الماء (كالثروة السمكية والطاقة الكهرومائية)، مع حفظ حق الدول الأخرى في حرية الملاحة والطيران ومد الكابلات البحرية.

ـ الجرف القاري (امتداد السيادة إلى قاع الأرض): ويمثل الامتداد الطبيعي لليابسة تحت سطح البحر، وقد يمتد في بعض الحالات الجغرافية المحددة إلى 350 ميلاً بحرياً.

وهنا تتركز السيادة على الثروات الطبيعية الكامنة في قاع البحر وباطن الأرض (كالنفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة)، وهو ما يجعل الجرف القاري كنزاً اقتصادياً تسعى الدول لتثبيت حقها فيه بكل قوة.

وتنشأ بؤر التوتر، عندما تعلو المصلحة على القانون، ومع تداخل الحدود البحرية بين الدول المتقابلة أو المتلاصقة حول العالم ،فقد تحولت هذه المفاهيم القانونية إلى نقاط تماس ملتهبة.

 

• سباق الثروات “الهايدروكاربونية”:

وقد أدى اكتشاف حقول الغاز الضخمة في حوض شرق المتوسط، وفي مناطق البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي، إلى إعادة رسم الخرائط التحالفية، وتحويل هذه المناطق إلى ساحات للاستعراض العسكري والاستكشاف الأحادي.

 

• إشكالية التفسير وتداخل الحدود:

تستغل بعض القوى الفجوات الثنائية أو التفسيرات المطاطية لبنود قانون البحار لفرض واقع جديد، سواء عبر ترسيمات أحادية الجانب أو عبر إنشاء جزر اصطناعية لزيادة مساحة “المنطقة الاقتصادية” الخاصة بها على حساب حقوق الجيران!.

• الاتفاق الليبي التركي ورفض القاهرة:

ولعل النموذج الأبرز هذه الأيام هو الاتفاق الليبي التركي، الذي جسد خلل الترسيم الأحادي.

واعتبره المحللون من أهم المحطات المعبرة عن تجاذبات “الجرف القاري” و”المنطقة الاقتصادية” في منطقة شرق المتوسط.

وقد أعادت مذكرة التفاهم الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق الليبية لترسيم الحدود البحرية؛ قراءة الجغرافيا البحرية وفق منظور اقتطاع ممرات مائية تتجاوز حقوق دول الجوار ومبدأ الامتداد القاري للكتل والاحتياطات الجزرية الكبرى مثل “كريت”. وفي المقابل، جاء الرفض القاطع والموقف الصارم من جانب القاهرة جاء مكفولاً بحراك دبلوماسي وقانوني حازم وتنسيق ثنائي وإقليمي مع قبرص واليونان ،لتأكيد بطلان هذا الترسيم الأحادي وتعارضه مع قواعد قانون البحار الدولي.

كما شددت على أن مساس المذكرات بالحقوق السيادية لمصر وللدول المشاطئة يُعد خطاً أحمراً يهدد الأمن القومي البحري ويقوض فرص التنمية والاستقرار المتكافئ في شرق المتوسط.

كما أعلن بيان الخارجية المصرية أمس عن رفضه لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019 بين فايز السراج وتركيا بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر المتوسط..

ووفقا لخبراء القانون الدولي فإن هذا لا يمثّل رد فعل دبلوماسياً عابراً بل هو تأكيد رسمي على موقف قانوني ثابت ومؤسَّس على أحكام القانون الدولي العرفي والاتفاقي في آنٍ واحد.

وتستند مصر في رفضها إلى ثلاثة أسس قانونية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 المعروفة بـ UNCLOS وهي المرجعية الدولية العليا في هذا الشأن وتنص في المادتين 55 و57 على أن تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة لأي دولة ساحلية مسافة 200 ميل بحري من خط الأساس ،وتنص في المواد 74و83 على أن تعيين الحدود بين دولتين متقابلتين يكون بالتوافق وفق مبادئ العدل والإنصاف وأحكام القانون الدولي.

كما توصلت مصر واليونان بالفعل عام 2020 إلى اتفاقية ترسيم حدود بحرية وفق هذه الأحكام وهي الاتفاقية التي تجعل المذكرة التركية الليبية خاطئة جغرافياً ومنعدمة الأثر قانونياً لأنها تتجاهل أن جزيرة “كريت” اليونانية موجودة فعلاً وتفصل بين الأجزاء البحرية المتنازع عليها.

كما تستند إلى مبدأ عدم الإضرار بحقوق الغير وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي العرفي يُقرّر أن أي اتفاقية ثنائية بين دولتين لا يجوز أن تمسّ الحقوق السيادية لدولة ثالثة ولم تكن طرفاً فيها وهو ما جاء معبّراً عنه حرفياً في نص المادة 34 من اتفاقية “فيينا” لقانون المعاهدات 1969 التي تنص صراحةً على أن المعاهدة لا تُنشئ التزامات أو حقوقاً لدولة ثالثة دون رضاها ،والمذكرة الليبية التركية ترسم خطاً في منطقة تتقاطع مع المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية دون تنسيق أو تفاوض معها.

وفي نفس الشأن أصدرت اليونان رفضاً مماثلاً للموافقة الليبية على الاتفاقيتين البحرية والأمنية مع تركيا، مما يعني أن مصر لا تقف وحدها في هذا الموقف بل تقف في خط قانوني تدعمه دول ذات سيادة أخرى متضررة من هذه المذكرة.

 

• الضوابط الدولية ومخاطر المواجهة:

إن استمرار هذا الصراع دون الالتزام بالمواثيق الأعراف الدولية يُنذر بتداعيات وتأثيرات خطيرة على الأمن والسلم الدوليين من بينها:

ـ عسكرة المياه الدولية: وعندها يتحول التنافس الاقتصادي إلى تواجد عسكري مكثف ودوريات بحرية متواصلة لحماية منصات التنقيب، مما يزيد من احتمالات الاصطدام غير المقصود والتصعيد العسكري.

ـ غياب الثبات القانوني وتأثر الاستثمار: كما أن شركات الطاقة العالمية والمؤسسات الاستثمارية تنزعج من العمل في مناطق تنازع سيادي غير محسومة، مما يعطل استغلال الموارد الإنسانية ويحرم الدول من تنمية اقتصادها الأزرق.

 

• صراع وجودي:

وفي الختام فإن السيطرة على “الجرف القاري” و”المنطقة الاقتصادية الخالصة” ليست مجرد نزاع قانوني على أرقام وأميال بحرية، بل هي صراع وجودي على مستقبل الطاقة والأمن القومي في القرن الحادي والعشرين.

ولن يتحقق الاستقرار فوق هذه الأمواج الثائرة إلا بإنفاذ القواعد الاستباقية لقانون البحار، وإعلاء لغة الحوار والترسيم العادل للحدود، لتتحول البحار من ميادين للنزاع والمغالبة إلى جسور للتعاون والتنمية المستدامة بين الشعوب.

اترك رد