لطالما تساءلت عن ماهية إسرائيل، وأسباب وجودها في الشرق الأوسط، وتحديداً على الأرضِ الفلسطينية، وكيف لها أن تستمر وسط محيط يدرك تماماً عدم شرعية وجودها؟ لذا، عمدت إلى حياكة المؤامرات وبث الفتن بين الدول، وبين أبناء الوطن الواحد؛ لزرع الفرقة عبر المذهبية والطائفية، وشيطنة كل مصلحٍ لتقويض جهوده، ومن الحصافة أن يعي العالم العربي والإسلامي ما يُحاك له من قِبل القوى المعادية، وألا يغترّوا بالحديث المعسول المسموم؛ كما حدث في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حين أظهرت وسائل الإعلام ببراعةٍ ملفقة تورط بعض المسلمين في ضرب برج التجارة العالمي، وأشارت إلى تنظيم القاعدة قبل إجراء أي تحقيق. وقد توالت التقارير المزيفة التي اتضح زيفها لاحقاً، حين تبين أن العديد من الأسماء المعلنة كانوا إما متوفين، أو يعيشون في بلدانهم ولم يزوروا أمريكا منذ سنوات، وقد تواصلوا حينها مع وسائل الإعلام لتفنيد تلك الادعاءات؛ وهي مجرد خطوة ضمن خطوات كثيرة سنسلط الضوء عليها.
قبل الخوض في غمار الأحداث، أود توجيه رسالة للجميع بضرورة تجاوز الخلافات والاصطفاف صفًّا واحداً للذود عن الوطن أمام الخطر المُحدق به، ولقد شهدنا جميعاً كيف بدأ تدمير العراق تحت شعارات “الحرية” و”التخلص من أسلحة الدمار الشامل” و”الإطاحة بنظام صدام حسين”، ليتضح لاحقاً زيف تلك الذرائع، وتنتقل سهام الفتنة المسمومة إلى باقي الدول العربية لتنزف جراحاً لا تندمل، وإن الهدف الحقيقي من نشر هذه الفتن هو إشعال فتيل الاقتتال داخل النسيج الوطني الواحد، وهو ما يتطلب دوماً تخطيطاً محكماً، ومثال ذلك ما نشهده اليوم من محاولات للوقيعة بين الشعبين المصري والسوداني عبر “اللجان الإلكترونية” على منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية؛ بهدف إشغال الشعوب عما يحيكه الصهاينة من مخططات للسيطرة على سواحل البحر الأحمر وخليج عدن، مستغلين في ذلك التعاون مع إثيوبيا عبر إنشاء قواعد عسكرية لها، ودعم “صومال لاند”، واستغلال قوات “الدعم السريع” بقيادة “حميدتي” لغزو مناطق في إريتريا للسيطرة على ميناء “عصب”، وفتح جبهة لدخول “القضارف” بشرق السودان—التي تتمتع بموقع استراتيجي وتربة خصبة— بالتزامن مع تداعيات بناء “سد النهضة” والحرب الطاحنة بين الجيش السوداني بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع.
إلى جانب ذلك، الفخ السياسي والعسكري الذي نُصب لمصر والسعودية، والذي فطنت إليه القيادة المصرية، فسارعت إلى تعزيز التعاون مع المملكة للحفاظ على عمقها الاستراتيجي قبل فرض حصار كامل على مصر من الجهات الأربع، وإفشال المخطط الذي يهدف إلى تقسيم المنطقة إلى ثلاثة معسكرات: الأول يضم إيران، وجماعة الحوثي، وحزب الله، والحشد الشعبي في العراق، وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة، أما المعسكر الثاني فيضم مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان، والسودان، والأردن، والحكومة اليمنية الشرعية، والصومال، وهو المعسكر الذي تراه إسرائيل هو الأخطر على الإطلاق، لذا تسعى جاهدة لإشعال الفتن بين باكستان والهند، وتركيا والأكراد، ومصر والسودان، والسعودية واليمن، ويتأتي ذلك بمساعدة المعسكر الحليف لهم، والذي يتكون من الإمارات وإثيوبيا وإقليم “صومالي لاند”، إضافة إلى قوات الدعم السريع في السودان التي تعمل على إشعال الصراع الداخلي والتحالف مع إثيوبيا جنوباً لمحاصرة مصر والسعودية، والضغط على مصر بملف المياه لجرّها إلى حرب، بما يتيح لإسرائيل لاحقاً السيطرة على باب المندب وتعطيل مجرى قناة السويس وشلها تمامًا.
إنني أحيي القادة في مصر، سياسيين وعسكريين، على إفشال هذا المخطط، وقطع الطريق أمام كل من يسعى لخلق فراغ استراتيجي في المنطقة وتدمير الجيش المصري، الذي يُعد الركيزة الأساسية للأمن العربي، والذي سيزداد قوة حال تفعيل التحالف المصري الباكستاني التركي، وهو المثلث الاستراتيجي الذي سيغير موازين القوى الدولية، لذلك نرى أن تحرك القوات المصرية يهدف إلى حماية المملكة وليس مهاجمة الحوثيين، وقطع الطريق على أي محاولة إسرائيلية للتغلغل في السعودية بحجة الدفاع عنها، وهي خطة خبيثة تهدف إلى إجبار المملكة على الانخراط في الاتفاقيات الإبراهيمية والتخلي عن القضية الفلسطينية، لتمكين إسرائيل من السيطرة على مسارات النفط في البحر الأحمر وتحقيق حلمها في إنشاء “إسرائيل الكبرى”.
إن القيادة الواعية خلفها شعبٌ واعٍ يفطن لمخططات الأعداء، وعند مواجهة العدو يتجاوز الجميع الخلافات ليصطفوا صفًّا واحداً من أجل الوطن. عاشت مصر حرة أبية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم