حين يؤمن الفرد بأحقية زائفة في أرضٍ ليست ملكه، يسخّر كل ما أوتي من قوة لإضفاء صبغة الحق على هذا الباطل، ولو تطلب الأمر اغتصاب الأرض، وتهجير أهلها، واقتلاع أشجار الزيتون لإقامة المستوطنات، وهذا هو ما قام به نتنياهو تجاه فلسطين، هذا الشخص الذي تشرّب الحقد من والده “بنزين نتنياهو”، المتأثر بأفكار الزعيم الفاشي “فلاديمير جابوتنسكي”؛ مما صبغ نظرته للعرب بالعدائية والسلبية، وقد عبّر عن ذلك في كتابه “مكان تحت الشمس”، وأبدى فيه أحقية اليهود المطلقة فيما أسماه “دولة إسرائيل التاريخية”.
ونتنياهو يبدو أنه تماشياً مع الرؤية الصهيونية “الداروينية” التي تحتفي بانتصار إسرائيل في حروبها، لذلك استدعى شواهد تاريخية وجيوسياسية وتلمودية لدعم وجهة نظره، مستنداً إلى مأساة “الهولوكوست” ليؤكد قدرة اليهود على النهوض، معتبراً أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، مع إيمانه الشديد بأن السلام مع العرب يشبه وضع سمك في صندوق زجاجي بانتظار ألا يرتطم برأسه في جدار الصندوق الزجاجي، لذا يرى ضرورة إجبارهم على الإذعان عبر سلاح الردع؛ لأن “سلام الديمقراطيات” لا يصلح معهم؛ لكونهم -حسب ادعائه- شعوباً غير مؤهلة للديمقراطية، وبناءً على ذلك، يرى في إسرائيل ديمقراطيةً وُضعت وسط غابة من الإرهابيين، تستوجب التحصن منه والابتعاد عنه ببناء عازل من الفولاذ، مع ضبط التفاعلات الإقليمية بما يخدم المصالح الحيوية لإسرائيل.
ولكي يدرك العرب والمسلمون حقيقة هذا الصراع، عليهم أن يَعُوا مَن هو نتنياهو؛ ذاك الذي تشبّع بذور الكره منذ نعومة أظفاره على يد والده، وتغذّى على فكرة الصراع لا السلام، ولقد كان لمقتل أخيه “يوناتان” أثرٌ عميق في صياغة رؤيته، حيث بادر -آنذاك- إلى تنظيم مؤتمرٍ تحدّث فيه عن الإرهاب، فهل يُعقل لمن تشكّلت عقيدته على فكرة الصراع أن يؤمن بالسلام؟ وإذا ما قارنا ذلك بما يجري في العالم الغربي والولايات المتحدة، نجد أن هذه الأفكار تجاه العرب متجذرة في عقولهم منذ القدم.
لقد بدأ الصراع منذ عام 1897م، وهو العام الذي شهد تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، وصولاً إلى قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام 1948م، وتُعد الصهيونية ظاهرة أوروبية وليدة ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية معينة، وقد كرّست هذه الحركة منذ نشأتها كل جهودها لاستعمار فلسطين، وبدأت فصول هذه المأساة -كما ورد في كتاب “جزور الاستعمار الصهيوني بفلسطين”- باستغلال الحركة الصهيونية لمصادرة السلطات العثمانية لأراضي المزارعين الفلسطينيين، وعرضها في المزادات العلنية لاستيفاء الضرائب، مستفيدةً من نظام الامتيازات الأجنبية لتعزيز وجودها وتحقيق هدفها الأسمى بإنشاء وطن قومي لليهود، وقد أدرك الفلسطينيون خطورة هذا التوجه، مما بعث الوعي لديهم ضد الهيمنة العثمانية، وازدادت حدة هذا الوعي مع بروز الأطماع الإمبريالية والصهيونية في فلسطين، وأفريقيا، وآسيا، كما حدث قديمًا من قِبل دول مثل فرنسا وبريطانيا لأسواق جديدة لتصريف منتجاتها واستثمار أموالها الفائضة.
إن ما يحدث اليوم، كالهيمنة على فنزويلا التي تمتلك احتياطياً نفطياً يبلغ 303 مليارات برميل، يندرج في السياق ذاته؛ فعندما وجدت أمريكا احتياجها للنفط قامت بخطف “نيكولاس مادورو” للسيطرة على مقدرات فنزويلا، ولكنها صُدمت بالتكلفة الباهظة لاستخراج النفط هناك، والتي تبلغ عشرة أضعاف تكلفته في دول منافسة كالسعودية، فانتهجت السياسة الاستعمارية القديمة ذاتها، وأشعلت النزاعات الإقليمية، كالحرب الإيرانية وتداعياتها على دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز من قِبل إيران بدواعي الحرب، والوقيعة بين السعودية والحوثيين في اليمن للوصول إلى باب المندب، مما أدى إلى رفع سعر برميل النفط إلى 110 دولارات؛ وبذلك أصبحت تكلفة استخراجه في فنزويلا (التي تتراوح بين 10 و30 دولاراً) تدر على أمريكا ربحاً يصل إلى 90 دولاراً تقريباً في البرميل الواحد.
إنَّ ما يجري حالياً ليس إلا محاولةً لإنقاذ النظام الرأسمالي من الانهيار عبر إيجاد أسواقٍ جديدةٍ للبضائع، وعلى رأسها السلاح الذي يتقاتل به العرب والمسلمون؛ لذا يظلُّ التمسك بالأرض وعدم التفريط فيها الركيزة الأساسية لتماسك الأمم. إنَّ إقدام البعض على بيع أراضيهم بدعوى إقامة مشاريع صناعية أو سكنية يفتح الباب أمام فقدان السيادة؛ فلنعد إلى قراءة التاريخ حتى لا يعيد نفسه.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم