وزير الأوقاف الأسبق.. سيرة عالم أفنى عمره في خدمة القرآن والسنة

في الأول من نوفمبر، تتجدد ذكرى ميلاد أحد أبرز أعلام الفكر الإسلامي والدعوة في مصر الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف الأسبق، الذي لم تكن رحلته مجرد مسيرة أكاديمية أو تولٍّ لمناصب قيادية، بل كانت رحلة عطاء ممتدة في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية.

وأيضا نشر الفكر الإسلامي الوسطي، وإثراء المكتبة الإسلامية بمؤلفات وأعمال علمية تركت بصمتها في مسيرة الدعوة.

وفي هذه المناسبة، أحيت وزارة الأوقاف ذكرى ميلاده، مستحضرة ما قدمه الراحل من إسهامات علمية ودعوية بارزة، وما تركه من سيرة علمية وإنسانية تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال، ونموذجًا للعالم الذي جمع بين رسوخ العلم والإخلاص في العمل وخدمة الدين والوطن.

من قرية بالمنوفية إلى رحاب الأزهر.. بداية صناعة عالم

وُلد الدكتور محمد الأحمدي أبو النور في الأول من نوفمبر عام 1930 بمركز الشهداء بمحافظة المنوفية، ونشأ في أسرة عُرفت بالتدين والاهتمام بالعلم، فكانت بدايته مع القرآن الكريم، الذي حفظه في سن مبكرة، وحصل على إجازة برواية حفص عن عاصم عام 1950، لتبدأ ملامح شخصية علمية ارتبطت بكتاب الله والسنة النبوية.

التحق بالمعهد الديني بالقاهرة، ثم واصل رحلته العلمية بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، التي تخرج فيها عام 1956 متصدرًا دفعته، قبل أن يحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام 1957، ويواصل دراساته العليا في الحديث وعلومه، حتى نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1970.

وكان تفوقه العلمي بداية لمسيرة أكاديمية متميزة، فلم يكتفِ بتحصيل المعرفة، بل اتجه إلى نقلها وتعليمها، فعمل بالتدريس في المعاهد الأزهرية، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وتدرج في المناصب العلمية حتى أصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم الحديث عام 1981.

كما تولى منصب وكيل كلية البنات الإسلامية ثم عميدًا لها، وامتدت خبراته العلمية إلى عدد من الجامعات العربية والإسلامية، حيث عمل أستاذًا زائرًا بجامعتي أم درمان والكويت، وشارك في العديد من المؤتمرات والملتقيات الإسلامية، حاملًا رسالة الأزهر العلمية والفكرية إلى مختلف المؤسسات التعليمية.

وزيرًا للأوقاف.. عطاء في خدمة الدعوة وصناعة الوعي

وفي الرابع عشر من يوليو عام 1984، انتقل الدكتور محمد الأحمدي أبو النور إلى موقع المسؤولية الوطنية والدعوية، بتوليه منصب وزير الأوقاف ورئاسة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، واستمر في أداء مهمته حتى الحادي عشر من نوفمبر عام 1986.

وخلال هذه المرحلة، ارتبط اسمه بالعمل على تطوير المجال الدعوي، والإشراف على المساجد، ورعاية العاملين بالأوقاف، والحفاظ على أملاك الوقف، في إطار مسؤولية تتجاوز الإدارة التقليدية إلى حماية رسالة المؤسسة الدينية وتعزيز دورها في المجتمع.

ولم تتوقف مسيرته عند العمل الأكاديمي والوزاري، بل واصل حضوره في المؤسسات العلمية الكبرى، حيث انضم إلى عضوية مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف عام 2007، ثم اختير عضوًا بهيئة كبار العلماء عام 2012، تقديرًا لمكانته العلمية وإسهاماته في علوم الحديث والفكر الإسلامي.

مؤلفات وبرامج علمية.. إرث يتجاوز حدود المناصب

كان الحديث النبوي الشريف محورًا رئيسًا في اهتمام الدكتور محمد الأحمدي أبو النور العلمي، وهو ما انعكس بوضوح في مؤلفاته التي أثرت المكتبة الإسلامية، ومن أبرزها: «السنة في العقيدة والأخلاق والسلوك»، و«قبسات من هدي السنة»، و«منهج السنة في الزواج»، و«من هدي السنة في الجهاد ومكانة المرأة»، و«شذرات من علوم السنة».

كما أسهم في تحقيق عدد من كتب التراث الإسلامي، وحرص على تقديم العلم الشرعي بصورة مبسطة تصل إلى مختلف فئات المجتمع، من خلال مشاركاته الإذاعية والتليفزيونية المتعددة.

ومن أبرز أعماله الإعلامية «موسوعة السنة النبوية الشريفة»، التي قاربت ألفي حلقة، في مشروع علمي وإعلامي يعكس اهتمامه بتقديم السنة النبوية وتعريف الجمهور بمقاصدها وقيمها، وربط المعرفة الدينية بحياة الناس وسلوكهم اليومي.

وقد حظيت مسيرته بتقدير رسمي وعلمي، فحصل على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1986، والدكتوراه الفخرية من الجامعة المحمدية بإندونيسيا عام 1987، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1993، تقديرًا لعطائه وإسهاماته في ميادين العلم والدعوة.

وفي الحادي عشر من نوفمبر عام 2015، رحل الدكتور محمد الأحمدي أبو النور عن عالمنا، عن عمر ناهز خمسة وثمانين عامًا، بعد رحلة طويلة من العمل والعطاء، لكنه ترك وراءه رصيدًا علميًا ودعويًا ظل شاهدًا على قيمة العالم الذي يجعل من علمه رسالة ومن موقعه مسؤولية ومن وقته خدمة للناس.

وتأتي إحياء وزارة الأوقاف ذكرى ميلاده تأكيدًا لنهج الوفاء لعلماء الأمة ورموزها الدعوية، وتسليط الضوء على النماذج التي أسهمت في بناء الوعي الديني وترسيخ الفكر الإسلامي الوسطي، وإبراز الدور الذي أداه علماء الأزهر وقيادات المؤسسات الدينية في خدمة الإسلام والوطن.

لقد غاب الجسد، لكن بقي أثر العلم؛ فالمناصب تنتهي، والأعمار تمضي، وتظل الكلمة الصادقة والعلم النافع والسيرة الطيبة صفحات مضيئة في تاريخ الأمة. رحم الله الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، وجزاه خير الجزاء عما قدم للإسلام والمسلمين.

احمد فؤاد عثمان محرر أخبار [ الملف الديني ] { وزارة الأوقاف و دار الإفتاء المصرية }

اترك رد