محمود عرفات يكتب: مصطفى إسماعيل والجندي المجهول في تلاواته

لعل مَن يستمع إلى الشيخ مصطفى إسماعيل قديما، أو مَن يستمع إليه حديثا كلاهما يتفق على حقيقية مفادها أنه تفرد عن أقرانه من القراء بمخزونٍ نغميٍّ كبير، وقدرة فائقة على تناول المقام الموسيقي بأشكاله المختلفة وقوالبه المتنوعة، حتى صار اسمه مرتبطا ارتباطا كليًّا بالمقامات الصوتية، لا سيما وأنه لم يتلقَّ ذلك في معهد موسيقى، أو على يدِ مدرس للمقامات أو ما شابه ذلك، وهذا ما أقره بنفسه في أحد لقاءاته المرئية مع الإعلامي طارق حبيب، حيث قال: “أنا لا خدت عود ولا قانون ولا حاجة أبدًا، أنا تعليمي تعليم سمَع”.
الحقيقية أن عبقرية الشيخ مصطفى إسماعيل في المقامات والنغم برغم أنها مزية عظيمة حار في شأنها أهل الصنعة أنفسهم، ولكن هناك من اتخذها مطيَّة نحو القول بأن الشيخ مصطفى إسماعيل تلاواته تخلو من الخشوع، وكأنهم يقولون من طرف خفي أنه يغني لا يقرأ القرآن! والحقيقة هذا كلام عارٍ تماما من الصحة، وينمُّ عن جهل حقيقي بتراث الرجل الذي لم يخلُ في مجمله من الخشوع والمعايشة مع الآيات، حتى في مصحفه المرتل كان شاهدًا على خشوعٍ ومعايشة للآيات امتزجت بقدرته النغمية حتى خرج في شكل آية في الجمال والإتقان.
إن من يستمع إلى تلاوات الشيخ مصطفى إسماعيل بإنصات دون دروشة؛ يجد أنها لا تخلو من الخشوع والمعايشة للآيات، ولعلي لو ذكرت بين يدي القارئ نموذجا لهذا الجانب، سأختار له تلاوة سورة إبراهيم، ففي هذه السورة العجب العجاب في الخشوع والمعايشة، لا سيما وهو يتلو هذه الآية “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عن بيتك المحرم..”.
فإنه بالنظر إلى تفسير الآية الكريمة تجد أنها تتحدث عن نبي الله إبراهيم، إذ ترك السيدة هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام في صحراء لا زرع فيها ولا ماء، وهذا اختبار عظيم، وموقف صعب مؤلم إذا تصوّره الإنسان على نفسه، بعد أن تركها نبي الله أخذ يدعو الله سبحانه أن يحفظهما، وأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فإن من يستمع إلى أداء هذه الآية منه، ينسى المقامات، وينسى الخشوع، وينسى الشيخ، ويجد نفسه يعيش مع الآيات بكل خشوع سكينة وطمأنينة وكأنه زُجَّ به في الصحراء ليعيش المعاناة بنفسه، فلقد تلاها الرجل وكأنه ينتحب لا يقرأ!
النماذج أكثر من يتسع لها المقال، ولكن الحقيقة أن جانب الخشوع في تاريخ الشيخ مصطفى إسماعيل جانب خفي وجندي مجهول قلما تجد مستمعا يتحدث عنه، ولعل عبقريته في النغم؛ صرفت بدورها الأنظار عن هذا الجانب المضيء في تاريخٍ مشرقٍ في تاريخ دولة التلاوة المصرية، فهو قارئ مصر الأول كما لقب به، وهو أحق به وأهله.




