تقارير-و-تحقيقات

علي جمعة: سنن الله ثابتة في صراع الحق والباطل عبر التاريخ

تقرير: مصطفى علي

في ظل التحولات الفكرية المتسارعة، وتنامي الجدل حول مفاهيم الخير والشر، يعود الحديث مجددًا عن «سنن الله» التي تحكم حركة الكون، ومصائر الأمم، وصراع المبادئ وفي هذا السياق، قدّم الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، قراءة معمقة لطبيعة الصراع الأبدي بين الحق والباطل، موضحًا أن هذا الصراع ليس وليد اللحظة ولا خاضعًا للظروف، بل هو سنة ماضية لا تتغير، تؤكد رسوخ القيم الإلهية واستمرارها عبر التاريخ.
وفي منشور مطوّل عبر صفحته الرسمية، تناول جمعة ثبات هذه السنن، وأثرها في توجيه الوعي الإنساني، واستقامة المجتمعات، وتحقيق التوازن بين قوانين الكون والتشريع الإلهي

الصراع بين الحق والباطل.. سنة جارية لا تنقطع

يشير الدكتور علي جمعة إلى أن الصراع بين قوى الحق وقوى الباطل ليس حالة طارئة، بل قاعدة إلهية ثابتة، تؤكد استمرار المواجهة بين منظومتين متناقضتين: منظومة الإصلاح ومنظومة الفساد ويستند جمعة في ذلك إلى الآيات القرآنية التي تُعلن أن الباطل زائل مهما امتد زمنه، وأن الحق ثابت بكلمات الله التي لا تتبدل.

ويستشهد بقول الله تعالى:

{وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}
وقوله سبحانه:
{لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}.

هذه النصوص بحسب جمعة تكشف عن «قانونٍ كوني» يحكم حركة التاريخ، ويضمن في نهايته انتصار الحق مهما تعاظم نفوذ الباطل.

انتصار أهل الإصلاح

يؤكد جمعة أن سنن الله لا تتعلق فقط بإزهاق الباطل، بل تُظهر أيضًا سنة أخرى مرافقة لها: انتصار أهل الإيمان والصلاح والإعمار على أهل الفساد والاستكبار، وهو انتصار يتحقق بقدر الله وحكمته، وقدرته على قلب الموازين.

ويستدل بقوله تعالى:

{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ… سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ}.

ويشير إلى أن هذه الآية ليست مجرد خبر عن الماضي، بل وصف دقيق لناموس ثابت لا يتغير، إذ إن أهل الفساد مهما بلغوا من القوة فإنهم إلى زوال، بينما يظل أهل الإصلاح ممتدين بقوة الحق.

عقاب الماكرين والمستكبرين.. عدالة لا تتخلف

ويرى جمعة أن من السنن الإلهية الراسخة «عقاب الظالم والمستكبر»، مؤكدًا أن الله تعالى لا يترك المفسدين ينجون من نتائج أفعالهم، وأن مكرهم يعود عليهم مهما طال الزمن.

واستشهد بقوله تعالى:

{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.

ويلفت إلى أن هذه السنة لا ترتبط بزمنٍ محدد، بل تُرى آثارها في التاريخ القديم والحديث، حين تسقط الأمم التي تبنت الظلم، وتنهض المجتمعات التي رفعت رايات العدل والإصلاح.

وفي جانب آخر، أوضح جمعة أن سنن الله لا تقتصر على حركة الكون والمجتمعات، بل تشمل أيضًا السنة الشرعية التي تُنسخ بها أعراف الجاهلية وأحكامها، حتى ولو كانت متجذرة في الثقافة الاجتماعية.

ويضرب مثالًا بزواج النبي ﷺ من مطلقة زيد بن حارثة، وهو أمر خالف العرف العربي الذي كان يمنع الزواج من زوجة الابن المتبنّى وكان هذا التشريع بحسب الدكتور جمعة جزءًا من سنة إلهية تهدف إلى هدم بقايا الأعراف الجائرة وإقامة أحكام الشريعة المتوازنة.

وفي هذا يقول تعالى:

{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ… سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ}.

سنن لا تتبدل.. ثبات القوانين الإلهية عبر الزمان والمكان

يشدّد جمعة على أن تكرار الآيات التي تتحدث عن «سنن الله» يحمل رسالة عميقة: الثبات والاطراد. فهذه السنن سواء كانت كونية أو تشريعية تتحرك ضمن نظام محكم لا يعرف التبديل.

ويضيف أن هذا الثبات شكّل «جزءًا من عقل المسلم» عبر القرون، وأصبح قاعدة للتعامل مع الكون، وفهم قوانينه، ومراقبة حركة الأمم.

فالقرآن كما يبين هو كتاب الله المسطور الذي يشرح قوانين كتاب الله المنظور، أي الكون، ولا يمكن فهم أحدهما بمعزل عن الآخر.

العلاقة بين القرآن والكون.. دليلان إلى الإيمان

يخلص الدكتور علي جمعة إلى أن التوازن بين الكون والقرآن يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم السنن الإلهية، إذ إن آيات الكون تبرهن على صدق آيات القرآن، والعكس صحيح فكلاهما كما يؤكد طريقان موصلان إلى معرفة الله، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى