الرئيسيةعرب-وعالم

سجن الأقطان بين الأمن والسياسة.. هل يقترب إغلاق صفحة داعش؟

تقرير: سمر صفي الدين

شهدت مناطق شمال شرقي سوريا تطورًا ميدانيًا بارزًا عقب إعلان وزارة الداخلية السورية سيطرتها الكاملة على سجن الأقطان في مدينة الرقة. والذي كان خاضعًا سابقًا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ويضم مئات المعتقلين المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وجاءت هذه الخطوة بعد اشتباكات محدودة شهدها محيط السجن خلال الأيام الماضية بين قوات حكومية متقدمة وعناصر من قسد. قبل التوصل إلى تفاهمات ميدانية أفضت إلى انسحاب الأخيرة من الموقع، في إطار ترتيبات أمنية أوسع.

ووفق هيئة العمليات التابعة للحكومة الانتقالية السورية، تعد السيطرة على سجن الأقطان أول تطبيق عملي لاتفاق 18 يناير الموقع بين الحكومة السورية وقسد، والذي ينص على ترتيبات أمنية وإدارية شاملة. تشمل دمجًا تدريجيًا وإخضاع السجون التي تضم معتقلي تنظيم الدولة لإدارة الحكومة المركزية.

كما أكدت الهيئة أن وزارة الداخلية السورية تسلمت إدارة السجن رسميًا، بعد نقل مقاتلي قسد الذين كانوا يؤمنون محيطه إلى أطراف مدينة عين العرب (كوباني)، ضمن خطة تهدف إلى خفض التصعيد ومنع أي احتكاك ميداني.

تثبيت نقاط السيطرة

بحسب مصدر حكومي، توصلت وزارة الدفاع السورية إلى اتفاق مع قسد برعاية دولية، ينص على تثبيت نقاط السيطرة شمال البلاد. ونقل نحو 800 مقاتل من قسد بأسلحتهم الفردية الخفيفة من محيط سجن الأقطان إلى مناطق بعيدة عن خطوط التماس.

وأعلنت وزارة الداخلية تشكيل فرق متخصصة من إدارة مكافحة الإرهاب لتأمين السجن. والسيطرة على الأوضاع داخله، في ظل مخاوف متزايدة بشأن أمن منشآت الاحتجاز. خاصة بعد هروب نحو 200 عنصر من تنظيم الدولة من سجن الشدادي مؤخرًا، قبل أن تتمكن السلطات من استعادة عدد منهم.

وتشير تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن سجن الأقطان يضم قرابة 1500 معتقل من عناصر التنظيم، ما يجعله من أكبر وأخطر ملفات الاحتجاز المرتبطة بتنظيم الدولة في سوريا.

تحركات دولية وقلق أوروبي

في موازاة ذلك، أعلنت الولايات المتحدة بدء مهمة لنقل ما يصل إلى سبعة آلاف معتقل من عناصر تنظيم الدولة من سوريا إلى العراق، بهدف تأمينهم في منشآت أكثر تحصينًا. حيث جرى بالفعل نقل دفعة أولى تضم 150 معتقلًا، بينهم قادة بارزون من جنسيات مختلفة.

وأبدى الاتحاد الأوروبي قلقه من تقارير عن فرار محتجزين أجانب خلال الفوضى الأمنية الأخيرة. داعيًا إلى مراقبة عمليات النقل، فيما شددت منظمة العفو الدولية على ضرورة ضمان محاكمات عادلة، وعدم اللجوء إلى عقوبة الإعدام.

تطمينات سياسية ورسائل كردية

سياسيًا، برزت تطمينات متبادلة حول الملف الكردي، إذ أعلن رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني تلقيه اتصالًا من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، أكد فيه التزامه بمنع أي صدام مع الأكراد. معتبرًا أي اعتداء عليهم “خطًا أحمر”.

وكشف بارزاني عن لقاءات برعاية أمريكية أسفرت عن تثبيت وقف إطلاق النار الحالي. محذرًا في الوقت نفسه من أن تنظيم الدولة لم يهزم نهائيًا، وأن أي فوضى أمنية قد تمنحه فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

الدولة مقابل الفواعل غير الحكومية

في قراءة تحليلية للتطورات، قال الكاتب الصحفي السوري عمار جلو إن انتقال ملف السجون إلى إدارة حكومية يمثل “تحولًا مفصليًا” في مسار ضبط الأمن شمال شرقي سوريا، معتبرًا أن “سيطرة الدولة. في أي ملف سيادي، تبقى أكثر كفاءة والتزامًا من إدارة الفواعل غير الحكومية”.

وفي حديثه لـ”اليوم”، أوضح جلو أن التزامات الدولة “أوسع وأدق”. لأنها تراعي مصالحها الداخلية ومصالح دول الجوار في آن واحد، وتسعى إلى منع استخدام ملفات حساسة، مثل معتقلي تنظيم الدولة. كورقة ضغط إقليمية أو دولية.

وأضاف أن وزارة الداخلية السورية، بخبرتها المتراكمة خلال السنوات الماضية، ولا سيما في مرحلة إدلب. أظهرت قدرة على إدارة ملف تنظيم الدولة، من خلال تعاون أمني غير معلن، محليًا ودوليًا، أسهم في تصفية عدد كبير من قيادات التنظيم.

وأشار جلو إلى أن سرعة تحرك الحكومة السورية خلال الاشتباكات الأخيرة، وملاحقة الفارين من سجن الشدادي، بعثت برسائل إيجابية للمجتمع الدولي، واعتبرت مؤشرًا على الجدية والقدرة على بسط النفوذ. لافتًا إلى أن هذه الخطوات استدعت اتصالات دولية رفيعة المستوى. بينها تواصل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبدى دعمًا للنهج الحكومي في مكافحة الإرهاب.

اتفاق 18 يناير ومآلات الاستقرار

حول اتفاق 18 يناير، يرى جلو أن نجاحه أو تعثره يبقى مرتبطًا بسلوك القيادات الفاعلة على الأرض. مشيرًا إلى أن جزءًا من التوترات يعود إلى بقايا نفوذ حزب العمال الكردستاني، أكثر منه إلى قيادة قسد ذاتها.

وأضاف أن “الاستقرار أو عدمه لن يحسم بخطاب سياسي، بل بمدى قدرة الأطراف على ضبط الميدان”. مرجحًا أن تشهد المرحلة المقبلة “هدوءًا نسبيًا مع خروقات أمنية محدودة، لكنها لن ترقى إلى صراع مفتوح”.

وأكد أن دخول قيادة إقليم كردستان على خط الوساطة، بقيادة مسعود بارزاني، يشكل عامل توازن مهمًا. ويسهم في طمأنة المكون الكردي، بعيدًا عن احتكار تمثيله من قبل قوى عسكرية بعينها.

وزاد بالقول إن المؤشرات الحالية توحي بأن الدولة السورية الجديدة “غير معنية بصراعات عرقية أو نزعات انفصالية”، بقدر ما تركز على بسط السيادة، ومحاربة التنظيمات المتطرفة. وإنهاء ملف تنظيم الدولة أمنيًا وقضائيًا، في إطار يحظى بدعم إقليمي ودولي متزايد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى