تقارير-و-تحقيقات

الإيمان بين الخوف والرجاء.. التوازن الغائب الذي يفتح أبواب التطرف واليأس

 

تقرير :مصطفى على

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه الأفكار، يعيش كثير من المسلمين حالة من الاضطراب الداخلي بين جناحين غير متوازنين: خوفٌ مفرطٌ قد يجرّ صاحبه إلى جلد الذات واليأس من رحمة الله، ورجاءٌ زائفٌ قد يفتح له أبواب المعاصي تحت شعار “إن الله غفور رحيم” وبين هذين الحدّين المتناقضين، يغيب التوازن الإيماني الذي دعا إليه القرآن الكريم والسنة النبوية، وحذّر من عواقب اختلاله العلماء والعارفون بالله.

النص القرآني والميزان الإيماني

جاء القرآن الكريم ليؤكد أن مسيرة الإيمان لا تقوم على طرف دون الآخر، بل على الموازنة بين الخوف والرجاء يقول تعالى في سورة الحجر:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
هذه الآية الجامعة وضعت قاعدة كبرى؛ فلا طغيان في الرجاء يقود إلى الغرور، ولا إفراط في الخوف يفضي إلى القنوط.

الإمام ابن القيم لخّص هذا المنهج في كلمته الشهيرة: “القلب في سيره إلى الله تعالى كطائر، رأسه المحبة، وجناحاه الخوف والرجاء؛ فإذا سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، وإذا قطع الرأس مات الطائر، وإذا فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد”.

الإفراط والتفريط.. بوابة الانحراف الديني

1. تدين الخوف المفرط: حيث يغرق صاحبه في القلق والاكتئاب الديني، يجلد ذاته على كل صغيرة وكبيرة، فيفقد الثقة برحمة الله، ويبتعد عن الناس والعمل الصالح. هذه الحالة قد تنتهي بالعزلة والانطواء، وربما تدفع البعض إلى ما يسميه علماء النفس “الوسواس القهري الديني”، حيث تتحول العبادة إلى ممارسة قهرية تُنهك الجسد والعقل.

2. تدين الرجاء المفرط: حيث يعيش صاحبه في بحار المعاصي، مستندًا إلى عبارات مثل “الله غفور رحيم” أو “نيتي صافية”، متجاهلًا أن الله توعّد أيضًا بالعذاب الأليم هنا تتولد حالة من “الاستحقاق الأخلاقي الزائف”، إذ يرى الإنسان نفسه في مأمن من العقوبة لمجرد أداء شكلي للعبادات، دون جوهر من التوبة أو محاسبة النفس.وفي كلا النمطين، يغيب الاتزان، وتُحجب البصيرة عن حقيقة الإيمان

قراءة متوازنة للقرآن والسنة

القرآن الكريم لا يُختزل في آيات الرحمة وحدها، كما لا يُقتصر على آيات العذاب فقط من يقرأ النصوص بانتقائية يخدع نفسه، ومن يقتطع الآيات من سياقها يضل الطريق فالتلاوة الصحيحة تقتضي الجمع بين بشارات الجنة وإنذارات النار، مع وعي بأن الدين ليس مجرد نصوص تُوظف لتبرير الميول النفسية، بل هو منهج شامل للتربية والتزكية.

الرسول صلى الله عليه وسلم قدّم النموذج الأوضح لهذا التوازن؛ كان يبكي عند سماع ذكر النار، ويبتسم عند التبشير بالجنة، ويدعو ربه في دعائه الجامع: “اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل”.

أثر الصحبة والتربية الروحية

التوازن الإيماني لا يتحقق في عزلة، بل يحتاج إلى بيئة صالحة تحفّز الإنسان على العمل الصالح، وتذكّره بالآخرة، من غير إفراط في التخويف أو إفراط في الترخيص مجالس العلم، والدروس الإيمانية، وسير الصالحين تمثل محطات تغذية روحية تقي المسلم من فوبيا العذاب ومن الانسياق وراء الشهوات.

في عصر السوشيال ميديا، تحوّل الدين إلى مقاطع قصيرة على “تيك توك” و”ريلز إنستجرام”. بعضها يزرع الخوف المفرط ويشيع أجواء الهلع، وبعضها الآخر يبرر الخطايا بحجة أن “الله غفور حليم” وهكذا يُختزل الدين في شعارات مبتورة، ويتحول إلى “دين مزاجي” يخضع لأهواء الناس لا لنصوص الوحي.
النتيجة أن الأجيال الشابة تتأرجح بين الرعب والغرور، ويضيع جوهر الإيمان القائم على العمل الصالح، والمحاسبة، والرجاء المتزن.

الأطباء النفسيون يحذرون من خطورة غلبة الخوف على الصحة النفسية، إذ يؤدي إلى القلق المرضي والوسواس القهري. وفي المقابل، فإن غلبة الرجاء المفرط تصنع حالة من “الاسترخاء الأخلاقي”، حيث يتوقف الإنسان عن محاسبة نفسه، ويبرر كل تقصير بحجة الرحمة الإلهية.
ومن هنا، يصبح التوازن النفسي جزءًا من التوازن الإيماني، فالقلوب السليمة هي التي تسير إلى الله بخوفٍ يردعها عن المعصية، ورجاءٍ يحفّزها على الطاعة، ومحبةٍ تدفعها للعمل

المؤمن الحق لا يعيش في رعب دائم، ولا يستسلم لغرور مفرط. بل يسير في حياته بين يقظة الخوف وطمأنينة الرجاء، محمولًا على جناحَي المحبة. الخوف يوقظه من الغفلة، والرجاء يطمئنه إذا أخطأ، والمحبة تدفعه للاستمرار في العمل.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى