الأزهر يعيد تقديم تراث تأسيسي في علم العقيدة

كتب: مصطفى علي
في إطار حضوره العلمي والفكري اللافت ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، يواصل الأزهر الشريف أداء دوره التاريخي في صون التراث الإسلامي الرصين، عبر طرح إصدارات علمية محققة تعيد ربط القارئ المعاصر بجذور الفكر السني الوسطي.
ومن أبرز هذه الإصدارات التي يتصدر بها جناح الأزهر هذا العام، كتاب «تأويل الآيات المشكلة والأخبار وبيانها بالحجج والبراهين والآثار»، لأحد أعلام القرن الرابع الهجري، الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري، المتوفى نحو سنة 380 هجرية.
الكتاب يصدر عن مركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، بعد جهد علمي دقيق في الدراسة والتحقيق، ليخرج إلى النور في طبعة علمية جديدة، تعكس حرص الأزهر على إحياء النصوص المؤسسة للفكر العقدي السني، وتقديمها بلغة علمية منضبطة، دون إخلال بأصالتها أو عمقها.
كتاب من قلب المرحلة التأسيسية للمدرسة الأشعرية
لا يُعد هذا الكتاب مجرد مؤلف تراثي عابر، بل يمثل ـ بحسب المتخصصين إحدى اللبنات الأصيلة في البناء العقدي للمدرسة الأشعرية في طورها التأسيسي. فالطبري، صاحب هذا المصنَّف، يُعد من التلامذة المباشرين للإمام أبي الحسن الأشعري، الذين حملوا على عاتقهم مهمة ترسيخ أصول الاعتقاد، والدفاع عن منهج أهل السنة والجماعة في مواجهة التيارات الفكرية المخالفة.
ويبرز الكتاب جهود تلك المرحلة في تقرير العقائد الكبرى، والرد على الشبهات، ومعالجة النصوص الشرعية التي قد يُساء فهمها إذا أُخذت على ظاهرها دون ضوابط العلم، خاصة ما يتعلق بالآيات والأحاديث التي تُعرف في كتب العقيدة بـ«المتشابهات» أو «الآيات المشكلة».
منهج يجمع بين النقل الصحيح والعقل السليم
أهمية هذا المصنف لا تنبع فقط من قيمته التاريخية، وإنما من منهجه العلمي الدقيق، الذي يعكس روح المدرسة الأشعرية في الجمع بين سلامة النص الشرعي وصحة النظر العقلي فالكتاب يتناول تأويل النصوص التي قد توهم التشبيه أو التجسيم، تأويلاً منضبطًا يحقق التنزيه الكامل للذات الإلهية، دون تعطيل للنصوص أو إخراجها عن سياقها الشرعي.
وفي هذا السياق، يقدم المؤلف معالجة علمية تعتمد على الحجج العقلية، والبراهين النقلية، والآثار المروية عن السلف، بما يعكس توازنًا دقيقًا بين العقل والنقل، ويؤكد أن التأويل عند الأشاعرة لم يكن هروبًا من النص، بل حفاظًا على مقاصده العليا.
حرص مركز الإمام الأشعري بالأزهر على إخراج هذا العمل في صورة تليق بمكانته العلمية، حيث اعتمد المحققون على نسختين خطيتين من الكتاب، جرى مقابلة نصوصهما بدقة، مع استدراك ما وقع فيهما من سقط أو تصحيف عبر القرون.
ضبط النص ضبطًا علميًا دقيقًا
توثيق الألفاظ والمصطلحات العقدية
إضافة تعليقات علمية شارحة تعين القارئ على فهم السياق والمقاصد
وضع عناوين تسهيلية للفصول والمسائل
إعداد فهارس علمية شاملة للأعلام والموضوعات والمصادر
وهي خطوات تهدف، بحسب القائمين على العمل، إلى تقليص الفجوة بين القارئ المعاصر والتراث العقدي الأصيل، دون المساس بروح النص أو منهجه.
مشروع متكامل لإحياء تراث الإمام الأشعري
يأتي إصدار هذا الكتاب ضمن مشروع علمي متكامل يتبناه مركز الإمام الأشعري بالأزهر الشريف، يسعى من خلاله إلى إعادة إحياء تراث الإمام أبي الحسن الأشعري وتلامذته، وإعادة تقديمه بوصفه أحد أهم معالم الفكر الإسلامي الوسطي، الذي حفظ للأمة توازنها العقدي عبر قرون طويلة.
ويركز هذا المشروع على إبراز المدرسة الأشعرية باعتبارها مدرسة اعتدال، لم تنغلق على النص دون فهم، ولم تطلق العقل دون ضابط، بل سعت إلى بناء منظومة معرفية متماسكة، قادرة على مواجهة الانحرافات الفكرية قديمًا وحديثًا.
جناح الأزهر… حضور علمي متواصل للعام العاشر
وتتزامن هذه الإصدارات مع مشاركة الأزهر الشريف للعام العاشر على التوالي بجناح خاص في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في تجسيد عملي لمسؤوليته التعليمية والدعوية في نشر الفكر الإسلامي المستنير، الذي تبناه الأزهر على مدار أكثر من ألف عام.
ويحرص الأزهر، من خلال هذه المشاركة، على تقديم محتوى علمي متنوع يخاطب مختلف الفئات، من الباحثين والمتخصصين، إلى الشباب والأطفال، في إطار رؤية شاملة لنشر الوعي الديني الرشيد.
قاعة التراث تحتضن جناح الأزهر
ويقع جناح الأزهر الشريف في قاعة التراث رقم (4) داخل أرض المعارض، ويمتد على مساحة تقارب ألف متر مربع، تضم عددًا من الأركان المتخصصة، من بينها:
قاعة للندوات الفكرية والعلمية
ركن للفتوى المباشرة
ركن الخط العربي
ركن خاص بالأطفال
ركن للمخطوطات والكتب التراثية




