تقارير-و-تحقيقاتمقالات

بسمة إبراهيم تكتب: «آيات الجهاد» في شريعة «جماعات الغاب»

لم تكن آيات الجهاد في القرآن يومًا رخصة مفتوحة للقتل، ولا تصريحًا سماويًا لسفك الدماء، بل نزلت في صدر الإسلام لتدفع عن الجماعة المسلمة شبح الفناء، وتحمي حقها في الوجود أمام محاولات الإبادة والقهر، غير أنّ «جماعات الغاب» في عصرنا قرّرت أن تُعيد كتابة المعنى؛ فجعلت من آيات الرحمة منصّة لشرعنة الذبح، ومن خطاب الدفاع عن النفس غطاءً أيديولوجيًا لإرهاب الآمنين وترويع المجتمعات.

القرآن الكريم يضم نحو سبعين آية تُصنَّف في كتب التفسير تحت ثلاث مسميات: «آيات الجهاد» (نحو 26 آية)، و«آيات القتال» (نحو 38 آية)، و«آيات النفير» (قرابة 6 آيات). هذه التصنيفات الفقهية والعلمية لم تُنشأ لتغذية نزعة دموية، بل لضبط أحكام دفع العدوان، وتنظيم علاقة المجتمع المسلم بغيره وقت السلم والحرب. ومع ذلك، تعاملت التنظيمات المتطرفة – من «داعش» ومن على شاكلتها – مع هذه الآيات بوصفها مخزنًا لنصوص جاهزة تُسحب عند الحاجة لتبرير أي جريمة، وكأن القرآن كتاب شعارات قتالية لا دستور هداية ورحمة.

النبي حسم المعنى قبل أن تعبث به الأيدي الملوثة بالدم؛ ففي كل بعثٍ أو سرية كان يقول لأصحابه: «اغزوا باسم الله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا امرأةً، ولا كبيرًا فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجرًا، ولا تهدموا بناءً». هذه الوصايا الصريحة نسفت مسبقًا أيّ محاولة لتحويل الجهاد إلى قتل عشوائي، ومع ذلك لم تتورّع جماعات التطرف عن دهسها تحت أقدامها، لتصنع لنفسها «شريعة خاصة» لا تعترف إلا بمنطق الغابة: من يخالفني يباد، ومن يعارضني يُكفَّر، ومن يقف في وجهي يُستباح دمه وماله وعرضه باسم «آيات الجهاد».

 من «آيات رحمة» إلى «رخصة دم» في فقه المتطرفين

ولكي نفهم حجم التزوير الذي تمارسه هذه الجماعات، يكفي أن نتوقف أمام نموذج واحد من هذه الآيات، وهو قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 218).

 الخطاب يبدأ بـ«الإيمان» وينتهي بـ«رحمة الله وغفرانه»، لكن المتطرف يقتطع كلمة «جاهدوا» من سياقها، ويتعامل معها كرأس سهمٍ يطعن به خصومه، متجاهلًا أن الآية ترسم مسارًا كاملًا: إيمانًا يردع عن الظلم، وهجرةً في سبيل الحق، وجهادًا منضبطًا بضوابط الشرع، ثم رجاءً في رحمة الله، لا تجرؤ على التعايش مع منطق المذابح والتفجيرات وسفك الدماء.

علماء التفسير والفقه حين تناولوا قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لم يحصروه في صورة واحدة ضيقة هي «حمل السلاح»، بل قرروا أن للجهاد مراتب ثلاثًا:

  • جهاد النفس والهوى: أن تقهر شهواتك، وتقاوم ضعفك، وتغلب كسلك، لأن المهزوم أمام نفسه لا يصلح لأن يُحمَل على كتفيه سلاح يُوجَّه إلى غيره. من عجز عن ضبط لسانه وقلبه، فكيف يُؤتمن على دماء الناس؟
  • الجهاد الدعوي والفكري: أن تتعلم، وتعلّم، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالتي هي أحسن، وتحاور بالحجة والبرهان، لا بالرصاص والأحزمة الناسفة. هذا النوع من الجهاد غائب تمامًا عن قاموس «تجار الدم»، لأن حضور العقل يفضح بضاعة الشعارات الفارغة التي يتاجرون بها.
  • الجهاد القتالي: وهو آخر المراتب، ولا يكون إلا دفاعًا عن النفس والدين والوطن، وفي مواجهة عدوان حقيقي، وتحت راية واضحة، وبشروط صارمة حددها الشرع، بدءًا من تحريم قتل المدنيين والضعفاء، إلى تحريم الغدر والتمثيل وسلب الأموال والاعتداء على الممتلكات.

الإمام ابن كثير وهو يفسر الآية يقول إن معنى ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو «بذلوا جهدهم في طاعة الله وابتغاء مرضاته»، أي أن الأصل في الجهاد أنه طريق إلى رحمة الله لا إلى لعنه، وأن صاحبه «يرجو رحمة الله»، لا يطلب سلطة ولا غنيمة ولا نفوذًا سياسيًا.

ورغم وضوح هذا الفهم، خرجت علينا فتاوى ملوّثة تُحوِّل آيات الجهاد إلى سكين يقطع أوصال المجتمعات؛ فتُستباح بها دماء الجنود في الجيوش العربية، وتُفجَّر المساجد والكنائس، ويُرمى الأبرياء بصفة «المرتدين» و«الطواغيت» و«أعوان الكفار»، هكذا انقلب المعنى رأسًا على عقب: الآيات التي جاءت لتحمي حياة الناس، تحوّلها الجماعات المارقة إلى منصة تشريعية لقتلهم.

 لا عجب إذن أن يقرر العلماء قاعدة حاسمة في مواجهة هذا العبث: «آيات الجهاد عليكم وليست لكم»؛ أي أنّها حجّة تضبط سلوك المسلمين وتلزمهم بالعدل والرحمة، وليست صكًا مفتوحًا للتوحش في الأرض. هذه القاعدة تنسجم تمامًا مع مقصد بعثة النبي : «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فكيف يستقيم أن تُستخرج من رسالة مكارم الأخلاق عقيدةُ تفجيرٍ وذبحٍ وخطفٍ وترويع؟

 شريعة النبي.. لا شريعة «التنظيم»

حين نعود إلى السيرة النبوية في لحظات الصراع والحروب المفروضة على المسلمين، نجد صورة مغايرة تمامًا لما تُصدّره جماعات العنف. فالحروب في الإسلام كانت استثناءً لضرورة دفع العدوان، ومع ذلك ظلّ لها «ضمير أخلاقي» صارم:

  •  لا غدر بعهد، ولا خيانة لميثاق.
  •  لا قتل لامرأة، ولا طفل، ولا شيخٍ هرم، ولا راهبٍ في صومعته.
  •  لا تمثيل بجثث، ولا تتبّع لمدبر، ولا إجهاض على جريح.
  •  لا اعتداء على ممتلكات الناس ولا على الشجر والزرع والبنيان.

هذه هي الشريعة التي جاء بها محمد ، أما شريعة «داعش» ومن لفّ لفّها، فهي شريعة أخرى لا علاقة لها بالوحي؛ شريعة بيزنس الدم، وتجار السلاح، وتوظيف الدين وقودًا في معارك السياسة والسلطة. تحت لافتة «آيات الجهاد» تُدار أسواق الرق وبيع النساء، وتُقطع الرقاب على الهواء، وتُصوَّر مشاهد الذبح بدقة سينمائية لتُرفع على منصات الإعلام الجديد، في تزاوج فاضح بين العقيدة المزيفة والاستعراض الوحشي.

الخطر الحقيقي ليس في وجود نصوص قرآنية تتحدّث عن الجهاد؛ فهذه النصوص جزء من منظومة تشريعية متكاملة تنظم علاقة المجتمع المسلم بسواه في كل الظروف، إنما الخطر في من يقتطع الآية من سياقها، ويقتل الحديث الصحيح بسوء تأويله، ويُقصي تراكم قرون من الاجتهاد الفقهي الرصين، ليُحِلّ محلّها فتاوى «الشيخ القائد» و«أمير التنظيم».

من هنا تأتي أهمية كشف هذا التلاعب أمام الرأي العام؛ فإعادة قراءة «آيات الجهاد» في ضوء مقاصد الشريعة، والتفسير المعتبر، والسيرة النبوية الحقيقية، ليست ترفًا فكريًا، بل واجب دفاع عن الإسلام نفسه قبل أن تكون دفاعًا عن المجتمعات التي تُستباح باسم الإسلام. والسكوت على هذا التزوير يترك الساحة خطابًا واحدًا، هو خطاب الرصاص، بينما رسالة القرآن أبعد ما تكون عن منطق الغابة الذي تتبناه هذه الجماعات.

إن المعركة اليوم ليست بين «الإسلام» و«العالم»، بل بين إسلامٍ حقيقي جاء ليحمي الإنسان ويصون كرامته ودمه، وإسلامٍ مزوّر تصنعه جماعات تكفّرت بالرحمة قبل أن تكفّر الناس، وحوّلت «آيات الجهاد» من بابٍ إلى رحمة الله، إلى جسرٍ يعبرون عليه إلى جحيم الدم والخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى