“جنود الكلمة”.. كيف ساهم الصحفيون في توثيق انتصار حرب أكتوبر؟

كتب: حشمت عبد الحارث
في صباح يوم السادس من أكتوبر عام 1973، كانت سماء مصر تعجّ بحركة غير معتادة، طائرات مقاتلة تخترق الأفق، جنود يستعدون لعبور القناة، بينما العالم يراقب بصمت وتوجس.. خلف هذا المشهد العسكري العظيم، كان هناك جيش آخر لا يقل شجاعة، جيش من الصحفيين الذين حملوا أقلامهم وكاميراتهم، وخاضوا معركة موازية، معركة نقل الحقيقة وصناعة الوعي الوطني؛ هؤلاء الصحفيون لم يكونوا مجرد شهود عيان، بل كانوا جزءًا من النصر، يوثقون اللحظات التاريخية، ويعيدون رسم ملامح الوطن في أذهان الشعب، ويواجهون أكاذيب العدو بشجاعة لا تقل عن شجاعة الجنود في ساحة القتال.
“أقلام في المعركة ” كيف ساهم الصحفيون في توثيق انتصار أكتوبر المجيد:
لعب الصحفيون في حرب أكتوبر 1973 دورًا حيويًا في تغطية الأحداث ونقلها إلى الجمهور المصري والعالمي، مهمتهم لم تكن فقط في جمع ونشر المعلومات، بل أيضًا في رفع الروح المعنوية وتعزيز مشاعر الوطنية والاعتزاز بالجيش المصري، لقد كانت الصحافة المصرية، خلال تلك الفترة الحاسمة، جسرًا بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية، حيث شارك الصحفيون في توثيق الانتصارات والبطولات التي سطرها الجنود، وتصدوا للحرب النفسية التي حاولت إسرائيل شنها عبر الدعاية المضادة. في هذا التقرير، نستعرض كيف كان الصحفيون يقومون بمهامهم رغم الظروف الصعبة، وأمثلة على الصحفيين البارزين الذين كانوا شهودًا على هذا الحدث التاريخي.
_نقل الأخبار من الجبهة و تحدي الظروف والرقابة العسكرية:
مع بداية الحرب في 6 أكتوبر 1973، تمحورت مهمة الصحفيين المصريين حول نقل الحقائق من أرض المعركة، كان ذلك تحديًا كبيرًا بسبب الرقابة العسكرية التي فرضت على المعلومات لضمان سرية التحركات العسكرية، رغم هذه التحديات، تمكن الصحفيون من نقل صورة حية للمعركة، ما جعل الشعب يتابع لحظة بلحظة تطورات الأحداث
كان بعض الصحفيين يتواجد فعليًا على الجبهة إلى جانب الجنود، موثقين لحظات العبور وتحطيم خط بارليف، مما منح تقاريرهم المصداقية والقوة، على الرغم من المخاطر الكبيرة، فإن هؤلاء الصحفيين لم يترددوا في المخاطرة بحياتهم ليشهدوا على هذا الحدث التاريخي وينقلوا تفاصيله المباشرة للجمهور.
_مقاومة الدعاية الإسرائيلية وبث الثقة في الجيش المصري:
في مواجهة الدعاية الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى إحباط معنويات المصريين عبر نشر الشائعات والمعلومات المضللة، لعب الصحفيون دورًا رئيسيًا في التصدي لهذه الحرب النفسية؛ من خلال تقاريرهم الدقيقة والتحليلات العسكرية التي أظهرت القوة الحقيقية للجيش المصري، تمكن الصحفيون من بث الثقة والطمأنينة بين المواطنين..
فعمل الصحفيون على تفنيد الشائعات الإسرائيلية عبر تقديم معلومات موثوقة من الجبهة العسكرية، كانت هذه المعلومات تأتي من مصادر عسكرية رسمية وترافقها صور وتقارير توثق الانتصارات العسكرية المصرية، مما عزز من الروح الوطنية.
_تأثير الإعلام المصري على الجبهة الداخلية:
على المستوى الداخلي، كان الإعلام المصري بقيادة الصحفيين يشكل حلقة الوصل بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية، نشرت الصحف تقارير عن تضحيات الجنود، مما حفز الشعب المصري على دعم الجيش مادياً ومعنوياً، كما أظهرت تغطيات الصحفيين الدعم الشعبي الواسع للجيش من خلال حملات التبرع بالدم وتقديم المساعدات، وهو ما عزز التلاحم بين الشعب والجيش في تلك اللحظات الحاسمة
إلى جانب ذلك، عملت الصحافة على تسليط الضوء على أهمية المشاركة الجماعية في دعم المجهود الحربي، حيث قدم الصحفيون تغطيات ميدانية عن دور الشعب في تعزيز الجبهة الداخلية، مما زاد من الدعم المعنوي للجنود في المعركة.
_التقارير الميدانية.. صوت المعركة يصل إلى المنازل:
تواجد الصحفيون الميدانيون في الصفوف الأمامية إلى جانب الجنود كان عنصرًا حاسمًا في نجاح التغطية الإعلامية للحرب، ساهموا في نقل الأحداث بدقة وواقعية، ووصفوا اللحظات البطولية للجنود المصريين في المعركة، من خلال تقاريرهم اليومية، التي كانت تُنشر في الصحف وتُبث عبر الإذاعة والتلفزيون، و لم تعزز فقط الروح المعنوية للشعب، بل أيضًا قدمت للجنود دعمًا نفسيًا من خلال شعورهم بأن تضحياتهم محل تقدير وتوثيق.
_بث روح الوطنية عبر الإعلام المرئي والمسموع:
لم يكن دور الصحفيين مقتصرًا على الكتابة والنشر في الصحف اليومية، بل شاركوا في الإعلام المرئي والمسموع، من خلال تقديم البرامج الحوارية واستضافة الخبراء العسكريين، فساهمت هذه البرامج في شرح الموقف العسكري وتحليل الأوضاع على الجبهة بشكل مبسط، مما جعل المواطنين يشعرون بأنهم جزء من هذه الحرب.
إلى جانب ذلك، لعبت الأغاني الوطنية والأفلام الوثائقية التي تم إنتاجها خلال الحرب دورًا كبيرًا في رفع الروح المعنوية، فكان الصحفيون والمخرجون جزءًا من هذه الجهود التي استهدفت تعزيز المشاعر الوطنية وتحفيز الشعب على المزيد من التضامن مع الجيش.
_أمثلة للصحفيين الذين شاركوا في الحرب:
محمد حسنين هيكل .. كان أحد أبرز الصحفيين الذين غطوا الحرب، بصفته رئيس تحرير جريدة “الأهرام”، لعب دورًا كبيرًا في تقديم التحليلات السياسية والعسكرية المتعلقة بالحرب؛ كتب هيكل عن مراحل الحرب وكشف تفاصيل التخطيط العسكري والسياسي وراء الانتصار.
أحمد بهاء الدين .. شغل أحمد بهاء الدين منصبًا قياديًا في الصحافة المصرية خلال الحرب، وكتب تحليلات عميقة عن أهمية الحرب من الناحية العسكرية والسياسية، وساهم في دعم الروح الوطنية من خلال مقالاته.
-صلاح منتصر.. عمل كصحفي في مؤسسة “الأهرام” وشارك في تغطية الحرب من الجبهة، ساهمت تقاريره الميدانية في نقل صورة واضحة عن تضحيات الجنود المصريين وانتصاراتهم.
مصطفى أمين.. رغم أنه كان معتقلًا خلال الحرب، إلا أن كتاباته وتحليلاته السابقة لعبت دورًا كبيرًا في تعزيز الروح الوطنية قبل الحرب، وعقب الإفراج عنه، كان له دور بارز في تسليط الضوء على دور الصحافة خلال الحرب.
جمال الغيطاني.. كاتب وصحفي في “الأخبار”، تواجد على الجبهة خلال الحرب وكتب تقارير مليئة بالتفاصيل الحية عن المعركة والجنود، تميزت تقاريره بلمسات أدبية فريدة أضافت عمقًا إنسانيًا لتوثيق الأحداث.
أنيس منصور و يوسف إدريس.. كان لهما دور بارز في تقديم مقالات فكرية وأدبية تعزز من الروح الوطنية وتقدم تحليلات عميقة حول تأثيرات الحرب على المجتمع المصري.
مكرم جاد الكريم .. أول مصور صحفى يدخل الجبهة فى سيناء، كان كبير مصورى أخبار اليوم و صاحب اللقطات العبقرية التى تؤرخ لتاريخ مصر فى مناسبات عديدة ، صاحب أخطر صور فى تاريخ الصحافة وهى صور حادث المنصة عند اغتيال الرئيس الشهيد الراحل محمد أنور السادات .
عبده مباشر.. أحد المحررين العسكريين و المراسلين الحربيين المعروفين في الوسط الصحفي و الاعلام ،و كان من الأصدقاء المقربين للرئيس الراحل أنور السادات ،صحفي بمؤسسة الاهرام، و تطوع فى كتائب الفدائيين عام 1951 و انضم لقوات الحرس الوطني و المقاومة الشعبية بعد نكسة 1967 ،رغم أنه مدنى لكن تاريخه الطويل فى العمل التطوعي و المقاومة الشعبية أهله للالتحاق بالمجموعة 39 قتال التى كانت مهمتها القتال خلف خطوط العدو فى سيناء ،و لذلك منحه الرئيس الراحل انور السادات نوط الشجاعة من الطبقة الأولى لتعدد اعمال الهجوم على العدو و اسر العديد من أفراده فى ميدان القتال ، كما امر بمنحه رتبة عسكرية فخرية ،ليكون بذلك اول مدنى يحصل على هذه الرتبة بقرار جمهورى .
حمدي لطفي .. كان مراسل عسكرى لدى دار الهلال و كان يوصف بأنه عميد الصحفيين المصريين المتخصصين فى الشئون العسكرية
_توثيق الانتصار و بناء الذاكرة الوطنية:
بعد انتهاء الحرب، قام الصحفيون بتوثيق هذا النصر التاريخي من خلال كتب ومقالات أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية، لم تكن تغطياتهم مجرد نقل للأحداث، بل ساهمت في تشكيل الوعي العام وتعزيز الهوية الوطنية للأجيال القادمة. كتبهم وتحليلاتهم لعبت دورًا كبيرًا في حفظ تاريخ الحرب ونقل دروسها للعالم.
فالصحفيون الذين شاركوا في تغطية حرب أكتوبر 1973 كانوا جزءًا لا يتجزأ من المعركة. كانوا العين التي ترى، والأذن التي تسمع، والقلم الذي يوثق. لعبوا دورًا كبيرًا في رفع الروح المعنوية للشعب المصري وللجنود، وساهموا في تشكيل الوعي العام حول أحداث الحرب وتفاصيلها. لقد كانوا الجنود الذين حملوا أقلامهم بدل البنادق، وساهموا في صنع النصر بطريقتهم الخاصة.
