أطماع أمريكا وإسرائيل في المنطقة العربية وضعف القيادات السياسية

بقلم الدكتور محمد جمعة
تمر المنطقة العربية بمرحلة تاريخية حاسمة تشكلت معالمها عبر عقود من التدخل الأجنبي والصراعات الداخلية حيث تتداخل العوامل الخارجية مع الإخفاقات الداخلية في صناعة واقع معقد يهدد استقرار المنطقة ومستقبلها . وفي قلب هذه الديناميكيات تقف أطماع القوى الخارجية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية على حساب مصالح الشعوب العربية. لكن هذه الأطماع ما كانت لتحقق هذا النجاح لولا ضعف القيادات السياسية العربية وتهافته وحرصها الشديد علي كراسي الحكم مما فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية وسهل تحقيق أهدافها.
فالأطماع الأمريكية في المنطقة العربية تتركز في استغلال امريكا
المصالح الاستراتيجية الأمريكية حيث
تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية مصالح استراتيجية متعددة في المنطقة العربية بدءًا من السيطرة على الموارد النفطية ومرورًا بضمان أمن إسرائيل وانتهاءً بمحاولة الهيمنة الجيوستراتيجية على منطقة تمثل تقاطع قارات العالم. وقد ظلت هذه المصالح تشكل محركًا رئيسيًا للسياسة الأمريكية في المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لطالما نظرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى المنطقة العربية على أنها منطقة نفوذ حيوية للمصالح القومية الأمريكية. فبعد اتفاقية “كوينسي” بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس روزفلت عام 1945 أصبح النفط العربي ركيزة أساسية للاقتصاد الأمريكي وللهيمنة العالمية للولايات المتحدة. وقد تحول هذا الاعتماد الاقتصادي إلى سياسة خارجية عدوانية في كثير من الأحيان تهدف إلى الحفاظ على تدفق النفط بأسعار مناسبة وضمان عدم سقوط المنطقة تحت نفوذ قوى منافسة.
واتخذت القيادات في البيت الأبيض
الأدوات الأمريكية لتحقيق الأطماع
حيث استخدمت الولايات المتحدة أدوات لتحقيق أطماعها في المنطق منها:
1. القوة العسكرية المباشرة: كما حدث في غزو العراق عام 2003 الذي مثل نقطة تحول خطيرة في التدخل الأمريكي المباشر في شؤون المنطقة.
2. الدبلوماسية الانتقائية: التي تتدخل فقط عندما تتعارض المصالح العربية مع المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية.
3. المنظمات الدولية: كأداة لشرعنة سياساتها، كما حدث في استخدام مجلس الأمن لفرض عقوبات على دول معينة أو التغاضي عن انتهاكات إسرائيلية.
4. الحرب الاقتصادية: عبر العقوبات التي تستهدف إضعاف دول تعتبر معادية للمصالح الأمريكية.
5. دعم الأنظمة الموالية: ماليًا وعسكريًا وسياسيًا بغض النظر عن طبيعتها الاستبدادية طالما تخدم المصالح الأمريكي والأطماع الإسرائيلية التوسعية فالمشروع الصهيوني والتوسع الجغرافي هدف
تقوم إسرائيل على أيديولوجيا صهيونية توسعية تؤمن بفكرة “أرض إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرا وفقًا للرواية التوراتية. وقد تجلى هذا التوسع عبر سلسلة من الحروب والعمليات العسكرية منذ عام 1948 أدت إلى احتلال أراض عربية في فلسطين وسوريا ولبنان ومصر.
لم تكتف إسرائيل بالاحتلال العسكري المباشر بل اتبعت سياسة استيطانية ممنهجة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للأراضي المحتلة خاصة في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وهذا الاستيطان ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو سياسة دولة تهدف إلى تهويد الأرض وضمان سيطرة إسرائيلية دائمة عليها ومحاولة السعي للهيمنة الإقليمية
حيث تسعى إسرائيل إلى تحقيق هيمنة إقليمية شاملة، تجعل منها القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية المسيطرة في المنطقة. وقد عملت على تحقيق هذا الهدف عبر:
1. تفريق العرب: بسياسة “فرق تسد” التي تعمق الانقسامات بين الدول العربية وبين الفصائل الفلسطينية نفسها.
2. ضرب المقاومة: عبر الاغتيالات المستهدفة والعدوان العسكري المتكرر على قطاع غزة ولبنان.
3. التطبيع: كأداة لاختراق المحيط العربي وإضفاء الشرعية على مشروعاتها التوسعية.
4. الابتزاز المائي والطاقي: حيث تسيطر إسرائيل على مصادر المياه وتستغل حقول الغاز في البحر المتوسط.
وبسبب ضعف القيادات السياسية العربية زاد طمع إسرائيل واستغلت
طبيعة الأنظمة العربية ومشكلاتها الهيكلية حيث يواجه العالم العربي أزمة قيادة حقيقية تجلت في عجز الأنظمة السياسية عن مواجهة التحديات الخارجية والداخلية. ويمكن إرجاع هذا الضعف إلى عدة عوامل:
1. الشرعية المفقودة:فالأنظمة العربية تفتقر إلى الشرعية الشعبية، وتعتمد على القمع أو الولاءات العائلية أو القبلية أو الطائفية للحفاظ على السلطة.
2. الفساد المؤسسي: أصبح الفساد سمة مشتركة في العديد من الأنظمة العربي حيث يتحول الدولة إلى وسيلة للاغتناء الشخصي للقلة الحاكمة على حساب مصالح الأغلبية.
3. التبعية الخارجية: فالقيادات العربية تعتمد على دعم خارجي للبقاء في السلطة مما يجعلها رهينة لإرادة الدول الداعمة وغير قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
4. غياب المشروع الوطني: وانعدام الرؤية استراتيجية الواضحة للتنمية والتقدم والتركيز على بقاء النظام دون وجود اهمية لتقدم الدولة.
وقد تجلى ضعف القيادات العربية في مواقف عديدة منها:
1. العجز عن مواجهة التحديات الخارجية: العجز عن وقف العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة أو منع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
2. الانقسامات العربية-العربية: التي وصلت إلى حد الحصار والحرب البينية كما في الأزمة الخليجية أو الحرب في اليمن.
3. التطبيع المتسارع: مع إسرائيل دون ضمانات حقيقية لحقوق الشعب الفلسطيني.
4. الفشل في بناء اقتصاد منتج: يعتمد على الريع النفطي وغياب التنمية المستدامة في الدول النفطية
التفاعل بين الأطماع الخارجية وضعف الداخلي سهّل الضعف الداخلي تحقيق الأطماع الخارجية
كما خلق الضعف الداخلي في الأنظمة العربية بيئة خصبة لتحقيق الأطماع الأمريكية والإسرائيلية عبر:
1. إضعاف القدرة على المقاومة: فالشعوب المنهكة بالهموم المعيشية والأنظمة القمعية غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية.
2. تحويل الصراع من خارجي إلى داخلي: حيث تنشغل الأنظمة العربية بقمع معارضيها الداخليين بدلاً من التركيز على الأخطار الخارجية.
3. تسهيل عملية الاختراق: عبر شراء ذمم بعض النخب الحاكمة أو إغرائها بوعود دعم بقائها في السلطة.
4. إضفاء الشرعية على التدخل الخارجي: كما حدث في الدعوات الأمريكية للتدخل تحت مسميات مثل “مكافحة الإرهاب” أو “نشر الديمقراطية”.أو مشروع الشرق الأوسط الجديد كما في حالة العراق وما حدث من غزو العراق عام 2003 مثالًا صارخًا على كيفية استغلال الضعف الداخلي لتحقيق أطماع خارجية. فاستبداد نظام صدام حسين وعزله الإقليمي والدولي ومغامراته العسكرية كلها عوامل سهلت المهمة الأمريكية في غزو البلاد وتدمير مؤسساتها الدولة.
وفي حالة فلسطين ساهمت الانقسامات الفلسطينية بين فتح وحماس في إضعاف الموقف التفاوضي الفلسطيني ومكنت إسرائيل من المضي قدمًا في مشروعها الاستيطاني دون ضغط فعلي يذكر.
وجاءت حالة التطبيع التي أظهرت اتفاقيات التطبيع الأخيرة كيف أن مصالح بعض الأنظمة العربية قصيرة الأجل قد تطغى على المصالح القومية طويلة الأجل حيث قدمت هذه الأنظمة تنازلات لإسرائيل دون ضمانات حقيقية لحل القضية الفلسطينية.
ومن نتائج وتداعيات هذا التفاعل على الصعيد السياسي
1. تفكك كيانات الدولة الوطنية: كما حدث في سوريا واليمن وليبيا والعراق.
2. انزياح موازين القوى الإقليمية: لصالح إسرائيل وإيران على حساب العرب.
3. تراجع دور الجامعة العربية: ومؤسسات العمل العربي المشترك.
ونجد على الصعيد الاقتصادي
1. استنزاف الموارد العربية: في الحروب والصراعات الداخلية.
2. التبعية الاقتصادية للخارج: وعدم تحقيق الاكتفاء الذاتي أو التكامل الاقتصادي العربي.
3. تهريب رؤوس الأموال العربية: إلى الخارج بدلاً من استثمارها في الداخل.
و على الصعيد الاجتماعي
1. تفشي الفقر والبطالة: خاصة بين الشباب.
2. الهجرة الجماعية للأدمغة: والعقول العربية إلى الخارج.
3. انتشار اليأس والإحباط: بين أجيال عربية تشعر أن مستقبلها مسلوب.
أصبح مستقبل المنطقة يواجه تحديات وآفاق وسيناريوهات محتملة
1. استمرار الوضع الراهن: من التفتت والضعف والتبعية وهو سيناريو مرجح لكنه غير مستقر.
2. تصاعد المقاومة الشعبية: التي قد تفرض قيادات جديدة أكثر تمثيلاً وإرادة.
3. تكوين تحالفات إقليمية جديدة: قد تعيد بعض التوازن للمنطقة ويتطلب تغيير هذا الواقع عدة إجراءات:
1. إصلاح داخلي جذري: يبدأ ببناء أنظمة سياسية تمثيلية تقوم على الشرعية الشعبية ومحاربة الفساد.
2. إعادة بناء المشروع القومي العربي: على أسس جديدة تراعي المتغيرات الدولية وتستفيد من الإمكانيات العربية.
3. بناء تحالفات إقليمية ودولية ذكية: تعيد التوازن وتحد من الهيمنة الخارجية.
4. الاستثمار في الإنسان العربي: عبر التعليم والبحث العلمي وبناء مقومات المعرفة
إن أطماع أمريكا وإسرائيل في المنطقة العربية حقيقة قائمة لكنها ليست قدرًا محتومًا. فما كان لهذه الأطماع أن تنجح لولا الضعف الداخلي والانقسامات العربية والفساد واستبداد معظم الأنظمة. لذلك فإن المعركة الحقيقية للمستقبل هي معركة إصلاح داخلي تبدأ ببناء أنظمة سياسية شرعية وفعالة، تقوم على إرادة الشعوب وتعمل لتحقيق مصالحها. فقط عبر إعادة بناء الداخل العربي يمكن مواجهة التحديات الخارجية وبناء مستقبل يليق بتاريخ المنطقة وحضارتها وإمكانياتها.
إن التحدي كبير والطريق طويل لكن تاريخ المنطقة يشهد أنها كانت دائمًا في أوج قوتها عندما توحدت وأدركت أن مصلحتها تكمن في وحدتها واستقلالها. وهذا الدرس التاريخي هو ما يجب أن تستعيده الأمة اليوم لمواجهة أعظم التحديات في تاريخها الحديث.




