عرب-وعالم

خبير لـ”اليوم”: إثيوبيا تنتقل من الدفاع إلى الهجوم في معركة سد النهضة

تقرير: سمر صفي الدين

صعدت الحكومة الإثيوبية لهجتها العدائية تجاه مصر، متهمة القاهرة باتباع “عقلية استعمارية” في تعاملها مع ملف نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD).

وأكدت في بيان رسمي أن أديس أبابا “لن ترغم أو ترهب للتخلي عن حقها في استخدام مياه النيل لتلبية احتياجاتها التنموية”.

وفي بيان صادر من أديس أبابا بتاريخ 13 أكتوبر 2025، قالت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية. إن مصر “تتبنى تفسيرًا منحرفًا للتضامن الإفريقي”، وتتعامل مع دول حوض النيل بـ”فوقية” عبر تقديم “مبادرات رمزية” مثل حفر آبار أو تركيب ألواح شمسية. معتبرة أن هذا الفهم “القديم والناقص” لم يعد يتماشى مع تطلعات القارة الإفريقية.

وأضاف البيان أن “العقلية الاستعمارية التي تهيمن على التفكير المصري” قادت القاهرة إلى “اتباع سياسة فاشلة ومضللة تهدف إلى تقويض إثيوبيا بدلًا من تعزيز التعاون”.

الطابع الهجومي المبطن

في هذا الصدد، قال الدكتور محمد فؤاد رشوان، خبير الشئون الإفريقية، إن البيان الصادر مؤخرًا عن وزارة المياه والطاقة الإثيوبية بشأن سد النهضة حمل تصعيدًا لغويًا وسياسيًا واضحًا ضد مصر. واتسم بطابع هجومي مقصود، يستهدف إعادة صياغة السردية الإقليمية حول أزمة النيل وتغيير موقع إثيوبيا من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم.

وأوضح رشوان في حديثه لـ”اليوم” أن البيان استخدم تعبيرات حادة مثل “النهج العدواني المصري” و”الذهنية الاستعمارية” و”الطموحات غير المشروعة”. وهي مفردات تهدف إلى تصوير مصر كخصم تاريخي يهدد الأمن المائي الإقليمي. مقابل تقديم إثيوبيا كمدافع عن السيادة الإفريقية في مواجهة ما تسميه أديس أبابا “الاستعلاء المصري”.

توظيف الخطاب الإفريقي

وأشار الخبير في الشئون الإفريقية إلى أن أديس أبابا ربطت موقفها بمفاهيم “التضامن الإفريقي” و”الحق في التنمية”. في محاولة لكسب تأييد دول حوض النيل، مثل تنزانيا وأوغندا وكينيا. وتحويل القضية من نزاع ثنائي مصري–إثيوبي إلى قضية عدالة إفريقية تتعلق بحقوق الشعوب في استغلال مواردها الطبيعية.

رمزية النهوض الوطني

وفي سياق متصل، أشار البيان إلى أن إثيوبيا هي “مصدر 85% من مياه النيل، ولن تتراجع عن حقها المشروع في التنمية”.

واتهمت أديس أبابا مصر بعدم التفاوض بحسن نية في المحادثات الثلاثية حول ملء وتشغيل سد النهضة. وكذلك في المفاوضات الخاصة باتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل. قائلة إن القاهرة “تواصل التمسك بادعاءات زائفة حول الحقوق التاريخية استنادًا إلى صفقات استعمارية أنانية”.

كما اتهمت الوزارة مصر بـ”تحويل المياه خارج الحوض دون أي تشاور أو إخطار للدول الأخرى المشاطئة”. وأعتبرت أن الأمن المائي لا يتحقق إلا عبر “الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل من قبل جميع دول الحوض”.

في موازاة ذلك، أضاف رشوان أن عبارات مثل “نهوض إثيوبيا حقيقة لا يمكن التراجع عنها رغم المؤامرات” تعكس خطابًا تعبويًا داخليًا يربط مشروع السد بمفاهيم الكرامة والسيادة الوطنية. في محاولة لتوحيد الرأي العام الإثيوبي خلف الحكومة وتحصينها أمام أي ضغوط خارجية.

رسائل البيان إلى الأطراف المختلفة

وفي إشارة إلى السودان، قال البيان إن “إثيوبيا والسودان يواصلان تنسيقهما الفعال بشأن سد النهضة. ويترجمان روابطهما الأخوية إلى تنمية مشتركة لشعبيهما”، منتقدًا ما وصفه بـ”محاولات مصر جرّ الخرطوم إلى أزمتها المصطنعة”.

وأكدت أديس أبابا أنها تلتزم “بأعلى المعايير المهنية في إدارة سدودها الكهرومائية”. وأشارت إلى أن مبادرة “إرث إثيوبيا الأخضر” تمثل نموذجًا للتنمية المستدامة في القارة.

وفي هذا الإطار، أوضح رشوان أن البيان حمل رسائل دبلوماسية مبطنة إلى أكثر من طرف:

إلى مصر: بأن الملف “حُسم” من وجهة النظر الإثيوبية، وأن أي تحركات دبلوماسية جديدة “لن تجدي”. مع محاولة نزع الشرعية الأخلاقية عن الموقف المصري عبر وصفه بالاستعماري.

إلى السودان: سعت أديس أبابا إلى التأكيد على “التنسيق الإثيوبي–السوداني” في إدارة السد. لعزل القاهرة سياسيًا وإظهار الخرطوم كحليف طبيعي لإثيوبيا.

إلى إفريقيا والمجتمع الدولي: قدمت إثيوبيا نفسها في إطار “العدالة المائية” و”الاستخدام المنصف والمعقول” – وهي مبادئ أقرتها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 – مروجة لمبادرة “إرث إثيوبيا الأخضر” كدليل على التزامها بالتنمية المستدامة. في مقابل اتهام مصر بـ”إهدار المياه”.

السيطرة على السردية

وبالعودة إلى خلفية الموقف، يرى رشوان أن البيان يمثل انتقالًا إثيوبيًا من خطاب الدفاع إلى خطاب السيطرة على السردية، من خلال اتهام القاهرة بالتضليل ومحاولة الهيمنة.

كما أشار إلى أن اللغة الإفريقية والرمزية الوطنية تستخدمان كأدوات سياسية لتأمين الغطاء الإقليمي والدولي لأديس أبابا.

وأوضح أن توقيت البيان يوحي باستباق تحرك مصري محتمل داخل الاتحاد الإفريقي أو مجلس الأمن. كما أكد أن الهدف منه هو تحصين الموقف الإثيوبي أمام أي مساعٍ دبلوماسية قادمة من القاهرة.

وزاد بالقول أن البيان الإثيوبي ليس رد فعل عابرًا، بل يمثل وثيقة دبلوماسية هجومية محسوبة تهدف إلى إحكام السيطرة على المشهد الإعلامي والسياسي لقضية النيل، عبر مزيج من التصعيد اللفظي. وتغليف الخطاب بالهوية الإفريقية، وربط السد بالنهوض الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com