تقارير-و-تحقيقات

مصر وكسوة الكعبة.. نسيج من ذهب وتاريخ لا يصدأ

في كل عام، تلبس الكعبة ثوباً جديداً، لكن ما لا يعرفه كثيرون، أن خيوط هذا الثوب كانت يوماً تغزل في قلب القاهرة، بين أزقة الجمالية، وعلى أنامل مصرية خالصة.

ليست مجرد كسوة، بل حكاية وطن، ومجد صناعي وروحي نسجه المصريون على مدار قرون، بخيوط من ذهب، وإيمان لا يبهت، ومن دار الكسوة في الخرنفش، إلى موكب المحمل المهيب، كانت مصر ترسل إلى مكة ثوباً يكسو البيت الحرام، ويكسو تاريخها بالعظمة، فما هي قصة وتاريخ صناعة هذه الكسوة؟

دار الكسوة بمنطقة الخرنفش

يؤكد الباحث في التراث الإسلامي حسام زيدان، بأن الإنجاز الأكبر لدار الكسوة، جاء في عهد محمد علي باشا، الذي أسس دار الكسوة بمنطقة الخرنفش بالجمالية؛ وهو مبنى من طابقين، استغرق بناؤه عاماً كاملاً، واحتضن على مدى عقود عشرات الحرفيين والنساجين والمطرزين، حتى توقفت الكسوة المصرية رسمياً عام 1962م

دار الكسوة بشارع الخرنفش 

صناعة بإيمان.. لا بمقص وإبرة فقط

صورة تظهر العمال داخل دار الكسوة

يعد الحاج صبحي صالح، هو آخر صانعي كسوة الكعبة في مصر،حيث شارك في صناعة الكسوة آخر أربع سنوات، ويقول في تصريحات متلفزة:  كان العمل يبدأ بعد موسم الحج مباشرة، وتستغرق عملية الصناعة نحو 10 أشهر، وبحوالي 700 كجم من الحرير الأسود وأكثر من 100 كجم من الذهب والفضة كانت تُحول إلى قطعة فنية لا مثيل لها، وتطرز بآيات قرآنية بخط الثلث، وتزدان بزخارف إسلامية تنبض بالهيبة والجمال.

وأضاف أن والده شارك أيضاً في عمل كسوة الكعبة وكان من ضمن 60 شخصًا من أمهر الصناع في ذلك الوقت في عهود الخديوي، لافتاً إلى أن القماش المستخدم في كسوة الكعبة من الأقمشة النادره.

ويروي عم حسن البدري (78 عاماً)، حفيد أحد عمال دار الكسوة في تصريحات منشورة : “كانوا بيغسلوا إيديهم قبل ما يمسكوا الحرير.. كأنهم داخلين يصلوا”.

تجار الجمالية.. شركاء في البركة

وأضاف، بأن تجار حي الجمالية شركاء في هذه الرسالة، فبعضهم تبرع بالحرير الطبيعي، وآخرون ساهموا بخيوط الذهب أو بأجور العمال.

ويقول سيد علي، أحد أحفاد التجار القدامى بالقاهرة:” جدي كان يعتبر التبرع بخيط ذهبي للكسوة أعظم من بناء مسجد”.

عمّال دار الكسوة… أنامل مصرية نسجت القداسة

تقع دار الكسوة بشارع الخرنفش بحي الجمالية، وكانت تعج بالحياة والعمل المتقن، حيث ضم قسم التطريز وحده أكثر من 60 حرفياً، معظمهم من كبار السن بمتوسط أعمار بلغ 65 عاماً، يعملون بخيوط الذهب والفضة في صمت وخشوع، وحصلت جريدة وموقع ” اليوم” على صور نادرة من أندر ما تبقى من تلك الحقبة، لهؤلاء العمال، وهم يظهرون فيها بزيهم التقليدي، على خلفية كرتونية برتقالية.

صور للعاملين  بدار الكسوة

محمد علي، أحد الصناع بالمهنة يؤكد بكونها عائلية الطابع؛ فالأب والابن والعم وابن العم يجلسون جنباً إلى جنب، يتوارثون الصنعة كما يتوارثون الإيمان، يبدأون العمل منذ الطفولة، ويظلون في المهنة، في إشارة إلى ما كان يحدث في دار الخرنفش من توارث الصنعة من الآباء والأجداد حتى آخر العمر، حيث كل غرزة منهم كانت تشهد على إخلاص ووطنية لا تتكرر.

موكب المحمل المصري

من المحمل إلى مكة.. موكب الدموع والهيبة

الكسوة لم تكن تغادر القاهرة سراً، بل في موكب مهيب عرف باسم “المحمل المصري”، يجوب شوارع العاصمة حتى البحر الأحمر، حيث تشحن إلى مكة، وكان “الجمل المحمل”، المزدان برداء فاخر، يتقدم الركب وسط الأناشيد والتهليل والدموع، ومع الكسوة، ترسل الهدايا والصدقات في صناديق خشبية مدهبة، عربون محبة من مصر لبيت الله الحرام.

حكام في خدمة الكسوة

عبر العصور، تكفل بصناعة الكسوة أكثر من 20 حاكماً وسلطاناً، منهم:

  • السلطان قلاوون (العصر المملوكي)
  • السلطان سليم الأول (العصر العثماني)
  • محمد علي باشا (العصر الحديث)
  • الملك فاروق (آخر ملوك مصر قبل ثورة يوليو)

المتحف… حيث الذهب يتكلم

متحف النسيج المصري

في قلب القاهرة القديمة، وعلى شارع المعز تحديداً، يقف متحف النسيج المصري شاهداً على زمن كانت فيه مصر منارة لصناعة الكسوة الشريفة، واليوم يحتضن المتحف قطعاً أصلية من الكسوة، بعضها يعود لأكثر من قرن، تعرض خلف زجاج شفاف، وتحكي ما عجزت الكتب عن حفظه.

في أحد الأركان، تلمع قطعة من حزام الكعبة، وُضعت تحت إضاءة خافتة، وبجوارها لوحة تقول: “من نسيج المصريين.. إلى بيت الله في مكة المكرمة”.

تراث لا يُنسى

اليوم، تواصل المملكة العربية السعودية شرف صناعة الكسوة، لكن ذاكرة المصريين لم تُمح،
فكل خيط من حرير، وكل قطعة من ذهب، وكل دمعة في موكب المحمل، لا تزال حاضرة في وجدان الأمة، وفي زمن يتغير فيه كل شيء، بقيت كسوة الكعبة المصرية شاهدة على عصر ذهبي..عصر لم ينسج فيه المصريون ثوبًا فقط، بل نسجوا تاريخاً من الإيمان والعزة، لا يزال يُروى حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى