سعاد صالح: تصريحي أُخرج من سياقه ولم يصلني قرار التحقيق من الأزهر

تقرير:مصطفى على
أثار تصريح الدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بشأن حكم شرب الحشيش، موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداوله البعض على أنه إجازة ضمنية لتعاطيه، ما دفع جامعة الأزهر إلى إحالة الأمر للتحقيق، وسط حالة من الاستغراب والانتقادات التي طالت المؤسسة الأزهرية والدكتورة نفسها.
وفي خضم هذا الجدل، خرجت الدكتورة سعاد صالح عن صمتها لتوضح ملابسات التصريح، وتكشف عن جوانب تم إغفالها أو بحسب تعبيرها “اقتطاعها من سياقها عمداً لصناعة ترند إعلامي”.
توضيح رسمي: “معي التسجيل الكامل وتصريحي كان واضحًا“
في تصريح مباشر منها، أكدت الدكتورة سعاد صالح أنها تحتفظ بتسجيل صوتي موثّق للحلقة التي أثارت الضجة، ويحتوي على نص كلامها كاملاً، دون اجتزاء أو تأويل. وقالت:
“ما قلته بالنص هو: لا يوجد نص صريح في تحريم شرب الحشيش، لكنه يُقاس على تحريم الخمر”.
وأوضحت أن عبارة “يقاس على الخمر” هي مفتاح الحكم الفقهي في هذه المسألة، فبموجب القواعد الأصولية يتم تحريم ما يشترك مع الخمر في علة الإسكار، وهو ما ينطبق على الحشيش بشكل مباشر.
وتابعت:
“البعض توقف عند عبارة لا يوجد نص صريح، وتجاهل تمامًا عبارة يقاس على الخمر، والتي تعني بوضوح أن الحشيش حرام شرعًا، وهذا هو موقفي الفقهي الثابت”.
السجائر والحشيش.. القياس الفقهي حاضر رغم غياب النصوص
ولم تكتفِ سعاد صالح بتوضيح موقفها من الحشيش فقط، بل وسّعت النقاش ليشمل السجائر، مشيرة إلى أن حرمتها أيضًا لا تستند إلى نص صريح، بل إلى القياس الفقهي بناءً على ضررها المؤكد على الصحة والعقل.
وقالت في هذا الصدد:
“هناك أشياء كثيرة لم يرد فيها نص مباشر، لكنها تُحرم بالقياس، مثل السجائر التي أُثبت ضررها علميًا وطبيًا، ومع ذلك لا نجد نصًا قرآنيًا يحرمها، لكننا نحكم بحرمتها لأن الإسلام يحرم كل ما فيه ضرر بَيِّن”.
واستشهدت بالقاعدة الفقهية المعروفة: “الضرر يُزال”، و”لا ضرر ولا ضرار”، وهي من القواعد الكبرى في الشريعة الإسلامية التي يُبنى عليها العديد من الأحكام في النوازل المعاصرة.
اتهامات موجهة للإعلام: “القناة تعمّدت صناعة ترند”
في لهجة حادة، اتهمت سعاد صالح القناة الفضائية التي أجرت معها اللقاء بأنها تعمّدت إخراج التصريح من سياقه بهدف إثارة الرأي العام وتحقيق الانتشار، مشيرة إلى أن القناة نفسها أرسلت لها رابط الحلقة، ويتضمن كلامها كاملاً دون أي تحريف.
وقالت:
“للأسف، هناك جهات إعلامية تتعامل مع القضايا الفقهية بمنطق الإثارة، دون مراعاة لحساسية الأمور الدينية أو دقة المصطلحات الشرعية، وقد حدث ذلك معي أكثر من مرة”.
وأضافت:
“الفقه علم دقيق، ويجب ألا يُتناول في سياق العناوين الجاذبة فقط، بل بمنهجية علمية متأنية تُراعي المقاصد والأدلة”.
موقف جامعة الأزهر: التحقيق قيد الإجراء أم شائعة إعلامية؟
ورداً على ما تم تداوله بشأن إحالتها للتحقيق من قبل جامعة الأزهر، أكدت سعاد صالح أنها لم تتلقَّ حتى الآن أي قرار رسمي من الجامعة يفيد بفتح تحقيق معها.
وقالت:
“لم يصلني من جامعة الأزهر أي إخطار رسمي بشأن التحقيق، ولا أعلم إن كان القرار قد صدر فعلًا أم أن الأمر لا يزال في إطار ما يُتداول إعلاميًا”.
ورغم تأكيد الجامعة في وقت سابق على حرصها على ضبط الأداء الإعلامي لأعضاء هيئة التدريس، والتشديد على ضرورة الحصول على إذن مسبق قبل الظهور الإعلامي، فإن ردود الأفعال المتباينة حول الواقعة تعكس حالة من التداخل بين ما هو إعلامي وما هو مؤسسي
تفاعل المجتمع.. بين التأييد والانتقاد والتأمل
الجدل الذي أُثير لم يكن فقهيًا فحسب، بل اتخذ أبعادًا مجتمعية وإعلامية وأخلاقية، حيث انقسمت الآراء بين من يرى أن سعاد صالح تحدثت من منظور علمي وشرعي دقيق، وبين من رأى أن تناولها للموضوع لم يكن موفقًا من حيث اختيار الكلمات أو توقيت التصريح.
ووسط هذا الانقسام، برزت أصوات تطالب بضرورة أن تكون البرامج الدينية والإفتائية أكثر انضباطًا، وأن يُفسح المجال أمام العلماء لتقديم الشريعة بمنهجية سليمة، بعيدًا عن سطوة العناوين المبتورة أو الإسقاطات الإعلامية المغرضة
القضية الأعمق: كيف نُقدّم الفقه في الإعلام الحديث؟
تفتح هذه الحادثة الباب واسعًا أمام نقاش ضروري حول طريقة عرض المسائل الفقهية في وسائل الإعلام، خاصة في ظل تسارع المحتوى الرقمي، وانجراف الكثير من البرامج نحو “التفخيخ اللغوي” بحثًا عن المشاهدات.
فقضايا كبرى مثل حكم الحشيش، أو المخدرات، أو التعاملات المالية الحديثة، تحتاج إلى مساحات علمية جادة وحوارات متعمقة، لا إلى اجتزاء كلمات من سياقها أو تسطيح النقاش الشرعي.
وفي ختام ردها، جددت سعاد صالح تأكيدها على موقفها الشرعي:
“أنا أقولها بوضوح: شرب الحشيش حرام شرعًا، لأنه يُذهب العقل ويُقاس على الخمر، وهذا ليس رأيي وحدي، بل هو ما عليه جمهور الفقهاء”.
أزمة عابرة أم مؤشر على خلل أكبر؟
تبدو أزمة “ترند الحشيش” مع سعاد صالح أكثر من مجرد خلاف على تصريح عابر، بل هي نموذج على الخلل المتكرر في التعاطي الإعلامي مع العلماء والفتاوى، ما يفرض على الجميع من مؤسسات دينية وإعلامية مراجعة آليات الخطاب الديني في الفضاء العام.
