الرئيسيةتقارير-و-تحقيقاتعرب-وعالم

عودة الهذالين.. المعلم الذي أربك إسرائيل في الأوسكار واغتاله مستوطن

تقرير: سمر صفي الدين

بعد أحد عشر يومًا من احتجاز جثمانه، سلمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي جثمان الشهيد عودة محمد الهذالين، الناشط الحقوقي والمجتمعي البارز من قرية أم الخير جنوب الخليل، والذي اغتيل بدم بارد على يد مستوطن متطرف أمام عدسات الكاميرا، بينما كان يدافع عن حق أهله في البقاء على أرضهم.

لكن القصة لا تنتهي هنا. فقد كان عودة – الذي لم يتجاوز الحادية والثلاثين – رمزًا فلسطينيًا لصوت المهمشين، ومعلمًا وناشطًا ومنتجًا مشاركًا في الفيلم الوثائقي “لا أرض أخرى”، الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل لعام 2025.

فيلم نقل للعالم معاناة سكان مسافر يطا تحت التهجير القسري، وكان أحد أسباب استهدافه.

من هو عودة الهذالين؟

ولد عودة الهذالين عام 1994 في قرية أم الخير، جنوبي الخليل بالضفة الغربية، لأسرة بدوية تكافح منذ عقود للبقاء في أرضها في وجه الاستيطان والاقتحامات المتكررة.

عمل مدرّسًا للغة الإنجليزية في المدارس الحكومية، وكان ناشطًا مجتمعيًا ورياضيًا في نادي سوسيا المحلي، كما أسس شبكة علاقات مع نشطاء أجانب ودوليين.

لكنه كان قبل كل شيء من أبرز وجوه المقاومة الشعبية السلمية في مسافر يطا، حيث شارك في اعتصامات ووقفات ومسيرات سلمية ضد هدم البيوت وتجريف الأراضي وطرد السكان.

وقد قال أحد أصدقائه: “عودة كان الوجه الذي نرسله إلى العالم… لأنه يتقن الإنكليزية، ولأنه صادق”.

فيلم "لا أرض أخرى":فيلم وثائقي مؤلم وملهم، يوثق مقاومة باسل عدره لتهجير قريته، ويكشف قسوة الاحتلال وصمود الأهالي.

فيلم “لا أرض أخرى”:فيلم وثائقي مؤلم وملهم، يوثق مقاومة باسل عدره لتهجير قريته، ويكشف قسوة الاحتلال وصمود الأهالي.

القتل الموثق.. والجثة المحتجزة

في 28 يوليو 2025، أطلق المستوطن المتطرف “ينون ليفي” النار مباشرة على عودة خلال تصديه مع أهل قريته لهجومٍ استيطاني في خربة أم الخير.

وأظهر تسجيل فيديو ليفي وهو يطلق النار من مسافة قريبة على مجموعة من الشبان، بينهم الهذالين، قبل أن يصاب الأخير إصابة قاتلة.

نقل عودة إلى المستشفى، لكنه استشهد بعد ساعات، لتحتجز سلطات الاحتلال جثمانه وتمنع تشييعه.

وفرضت شروطًا مهينة على عائلته: دفنه ليلاً، في مدينة يطا بدلاً من قريته، دون جنازة، وبحضور لا يتجاوز 15 شخصًا، وتحت حراسة مشددة. كما منعت إقامة بيت عزاء، واعتقلت شقيقه وعددًا من أبناء القرية.

قاتل كلاب لا يسامح.. فماذا عن قاتل إنسان؟

ينون ليفي، قاتل عودة، هو مستوطن معروف بعنفه الشديد، ويقود بؤرة “ميتاريم” الاستيطانية غير القانونية. رغم أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي فرضوا عليه عقوبات بسبب اعتداءاته السابقة، فإن القضاء الإسرائيلي أطلق سراحه بعد أيام من الجريمة، بحجة “الدفاع عن النفس”.

تقول زوجة الشهيد، هنادي الهذالين: “لو قتل ينون كلبًا، لعوقب أكثر. لكنه قتل إنسانًا، وعاد بعد أسبوع يتجول بين بيوت القرية وكأن شيئًا لم يكن”.

أما ابن عمه، طارق الهذالين، فقال: “عودة لم يكن يحمل حجرًا. لم يكن يحمل سلاحًا. كان يحمل كاميرا في فيلم، وصوتًا نقيًا عنّا. قتله المستوطن لأنه قال الحقيقة”.

من “لا أرض أخرى” إلى السماء

لم يكن عودة مجرد ضحية، بل كان شاهدًا وصانعًا للحقيقة. في عام 2019، شارك في إنتاج الفيلم الوثائقي “لا أرض أخرى” (No Other Land). بالشراكة مع نشطاء فلسطينيين وإسرائيليين مناهضين للاحتلال، لتوثيق التهجير القسري في مسافر يطا.

والفيلم، وهو إنتاج مشترك بين فلسطين والنرويج، من إخراج رباعي يتكون من الثنائي الفلسطيني باسل عدرا، وحمدان بلال، والثنائي الإسرائيلي يوفال أبراهام، وراحيل تسور.

استغرق تصوير الفيلم أربع سنوات، ورصدت فيه مشاهد لهدم البيوت، اقتلاع السكان، المقاومة اليومية، والخيبة الدولية. وعرض الفيلم في مهرجانات عالمية، وبلغ ذروته بفوزه بجائزة الأوسكار في مارس 2025.

لحظة استلام الجائزة، وقف المخرج الفلسطيني باسل عدرا وقال: “هذا الفيلم هدية لكل من يقاوم الظلم في أرض لا يراها العالم. عودة الهذالين، كنت واحدا منا، والآن صرت ضوءًا فوقنا”.

جريمة مستمرة

لم تكن الرصاصة التي قتلت عودة نهاية القصة. فبعد الجريمة، عاد ينون ليفي إلى المكان ذاته يشرف على حفر أرض القرية. وفي الوقت ذاته، اقتحمت قوات الاحتلال خيمة عزاء أقامها الأهالي، واعتقلت اثنين من المعزين، وأعلنت المنطقة “عسكرية مغلقة”.

خلال شهر يوليو وحده، سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية 1821 اعتداء من الجيش والمستوطنين في الضفة الغربية. بينها 466 هجومًا مباشرًا من مستوطنين. في سلواد، المزرعة الشرقية، وأم الخير، سقط 4 شهداء في شهرٍ واحد.

ترامب يرفع الغطاء

وفي تطورٍ لافت، كانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد فرضت عقوبات على ينون ليفي وآخرين من المستوطنين بسبب عنفهم ضد الفلسطينيين.

لكن هذه العقوبات ألغيت مطلع العام 2025 بأمر مباشر من الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، ضمن تقارب علني مع حكومة اليمين الإسرائيلي.

هذا القرار أعطى “ضوءًا أخضر”، كما قال نشطاء حقوق الإنسان، لعودة المستوطنين المتطرفين لتكثيف هجماتهم، دون خوف من تبعات دولية.

وداعا يا صوت الأرض

في جنازته المقتضبة التي لم تتجاوز ربع ساعة، لم يتسن لأصدقائه أن يودعوه كما يجب. لكنهم قالوا إن صوته لا يزال حاضرًا في كل بيت، وأن الفيلم الذي شارك في صناعته بات وثيقة تفضح من قتله.

في النهاية، كتب أحد رفاقه على حائط المدرسة القديمة: “رحل عودة، لكن عودته لنا لن تنتهي. كلما حاولوا إسكات الحقيقة، ولد صوت جديد يشبهه”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى