الأزهر يدعو من ناميبيا إلى عدالة إنسانية لا تتجزأ

كتب: مصطفى علي
في كلمة حملت معاني السلام والكرامة الإنسانية، وجَّه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، نداءً مؤثرًا خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الخامس للحوار بين الأديان في الاتحاد الأفريقي، المنعقد بمدينة ويندهوك بدولة ناميبيا، تحت عنوان: «استعادة الكرامة دور القيادات الدينية في الدعوة إلى العدالة والتعويضات والحفاظ على التراث الثقافي للأفارقة ولأبناء الجاليات في الشتات».
شارك في المنتدى نخبة من القيادات الدينية والثقافية من مختلف دول القارة الأفريقية، حيث مثّل الأزهر الشريف فيه صوت العدالة والضمير الإنساني، مؤكدًا أن قضايا القارة الأفريقية لا تنفصل عن هموم العالم، وأن إنصاف الإنسان هو حجر الأساس لبناء مستقبل مستقر وآمن.
استهل الدكتور الجندي كلمته بالدعاء أن يعم السلام والخير أرجاء القارة والعالم كله، وأن تتوقف الحروب والصراعات التي تحصد الأرواح وتبدد ثروات الشعوب، مؤكدًا أن الأزهر الشريف، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، يقدم للعالم نموذجًا حيًّا لترسيخ مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية، ويواصل دوره التاريخي في الدفاع عن القيم الأخلاقية التي تحفظ للبشر إنسانيتهم وترد الحقوق لأصحابها.
العدالة والكرامة.. جوهر رسالة الأزهر الشريف
أكد الأمين العام أن رسالة الأزهر تقوم على مبدأ راسخ وهو أن الأديان السماوية جاءت لتحرير الإنسان من الاستعباد والتفرقة والعنصرية، وترسيخ المساواة بين البشر دون تمييز على أساس عِرق أو لون أو دين.
وأوضح أن نداءات الإمام الأكبر المتكررة في المحافل الدولية تأتي دائمًا لتذكير العالم بأن العدالة ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل هي شرط وجودي لبقاء الإنسان آمنًا ومكرمًا على الأرض.
وأشار الدكتور الجندي إلى أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بالاعتراف بحقوق الشعوب واستعادة ما سُلب منها من تراث وهُوية، مشددًا على أن ذلك يمس كرامة القارة الأفريقية ويعيد لها ذاكرتها الحضارية التي حاول الاستعمار طمسها.
ودعا إلى تفعيل التعاون بين المؤسسات الدينية والثقافية في أفريقيا للعمل المشترك على استعادة الذاكرة التاريخية، وحماية الإرث الثقافي الذي يمثل وجدان القارة وهُويتها الأصيلة.
شراكة حضارية بين شمال القارة وجنوبها
وتحدث الأمين العام عن أهمية بناء شراكة حقيقية بين شمال أفريقيا وجنوبها وشرقها وغربها لتحقيق التكامل في مواجهة الفقر والصراعات.
وأوضح أن الأزهر الشريف، من خلال بعثاته التعليمية والدعوية المنتشرة في القارة، يقدم نموذجًا فريدًا للتبادل الثقافي والديني، ويغرس قيم التسامح والتعايش تحت مظلة السلام الإنساني.
كما أشار إلى أن الأزهر لا يكتفي بإرسال بعثاته، بل يستقبل في المقابل وفودًا علمية ودينية من مختلف دول العالم، في إطار حوار دائم لتعزيز الأمن العالمي ونشر ثقافة التفاهم بين الشعوب.
وأكد أن قيم الإسلام الحقيقية تدعو إلى الانسجام المجتمعي والمشاركة الإنسانية ونبذ أي شكل من أشكال العنصرية أو التهميش، سواء كان دينيًّا أو مدنيًّا، لأن احترام الإنسان أساس استقرار العالم.
في كلمته، شدد الدكتور الجندي على أن جميع الأديان الإلهية اجتمعت على هدف واحد هو تكريم الإنسان وصون كرامته، مؤكدًا أن احترام التنوع الثقافي والديني هو الركيزة الأساسية لبناء سلام عالمي مستدام.
وأضاف أن القيادات الدينية تتحمل مسؤولية كبرى في إحياء الضمير الإنساني ودعم العدالة الشاملة التي لا تتجزأ، لأن غيابها يفتح أبواب الفوضى والتمييز ويقوّض الأمن الروحي والاجتماعي.
وبيّن أن الإمام الأكبر أحمد الطيب، في كل مشاركاته ونداءاته، يؤكد دعم الأزهر للقارة الأفريقية، ويشدد على ضرورة ترسيخ وحدة الكيان الإنساني وتجاوز الخلافات الضيقة، بما يعزز التعايش الآمن والتنمية المشتركة.
لم ينسَ الأمين العام أبناء القارة الذين شتّتهم الاستعمار في أصقاع الأرض، مؤكدًا أن هؤلاء يشكلون اليوم قوةً حية تربط أفريقيا بالعالم، رغم ما يواجهونه من تحديات متشابكة، أبرزها الحفاظ على الجذور الأفريقية ومقاومة العنصرية في مجتمعات المهجر.
ودعا الدكتور الجندي إلى مدّ يد العون الروحي والثقافي لهؤلاء عبر إنشاء مراكز دينية وثقافية في الدول التي يعيشون بها، تكون بمثابة «منافذ للوطن الأم»، تغذي ارتباطهم بهويتهم وتحميهم من الذوبان الثقافي والاجتماعي، مشيرًا إلى أن الأزهر يفتح أبوابه لكل أبناء أفريقيا، ويمنحهم فرص التعليم والتكوين الروحي؛ ليظل منارة إشعاع تربط القارة بالعالم عبر جسور العلم والاعتدال.
وحدة الجهود الدينية والإنسانية لمواجهة العنصرية
وأكد الأمين العام أن العدالة والتنمية المستدامة وجهان لعملة واحدة، لا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر، داعيًا إلى توحيد الجهود الدينية والإنسانية لمواجهة العنصرية والتمييز بكل أشكالهما.
وأضاف أن الانتهاكات التي تتعرض لها بعض الشعوب تمثل اختبارًا حقيقيًّا لضمير الإنسانية، وأن القيم الأخلاقية التي تدعو إليها الأديان لا تقبل التجزئة أو الانتقائية، بل تتطلب التزامًا عالميًّا صادقًا بمبادئ المساواة والاحترام المتبادل بين البشر.
الأزهر.. صوت العدالة في وجه الظلم العالمي
واختتم الدكتور محمد الجندي كلمته بتأكيد أن الأزهر الشريف سيظل صوتًا عالميًّا للحق والعدل، وجسرًا متينًا للتواصل بين الشعوب والثقافات، رافعًا راية السلام الإنساني في وجه كل أشكال التفرقة.
وشدد على أن الحوار الديني البنّاء هو الطريق الأمثل لتعزيز السلام وصون الكرامة الإنسانية، وأن على العالم أن يستمع لصوت الضمير الذي يمثله الأزهر الشريف، لأنه صوت العدالة والرحمة التي لا تعرف حدودًا.


