أخبار

الإفتاء: تقسيط الزكاة جائز لمصلحة الفقير بشروط شرعية

تقرير:مصطفى علي

أكد الشيخ إبراهيم عبد السلام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن الأصل في إخراج الزكاة أن تتم بشكل فوري بمجرد بلوغ المال النصاب ومرور الحول عليه، أي بعد سنة قمرية كاملة.
وأوضح أن تعجيل إخراج الزكاة يعد هو الأحوط والأكمل شرعًا، لأنه يُحقق الغاية الأساسية من الزكاة وهي سد حاجة الفقراء والمستحقين لها في أسرع وقت.

وأضاف عبد السلام، خلال لقائه في برنامج تلفزيوني اليوم الجمعة، أن الزكاة في جوهرها عبادة مالية مفروضة، لا تقبل التسويف أو التأجيل بلا مسوغ شرعي، وهي من أركان الإسلام الخمسة التي تضمن تماسك المجتمع وتحقق التكافل الإنساني، وقد اشترط الفقهاء في أدائها عنصر “الفورية”، لما في ذلك من سرعة الإغاثة والتخفيف عن الفقراء والمحتاجين.

تقسيط الزكاة: رخصة بشروط وليس قاعدة عامة

ورداً على سؤال وجهه أحد المواطنين حول إمكانية تقسيط الزكاة بقوله: “عليّ 12 ألف جنيه زكاة، فهل يجوز أن أخرجها على دفعات شهرية مقدارها 1000 جنيه لرعاية أسرة فقيرة؟”، أوضح أمين الفتوى أن تقسيط الزكاة لا يجوز شرعًا إذا كان من أجل مصلحة المزكّي، كأن يرغب في الحفاظ على ماله فترة أطول، أو يتحايل لتأخير الأداء.

لكنه استدرك قائلاً: “إذا اقتضت مصلحة الفقير نفسه توزيع المبلغ بشكل شهري منتظم، فلا مانع شرعًا من ذلك، شريطة أن يتم إخراج الزكاة كاملة خلال نفس الحول الزكوي، ولا يتجاوز موعد السداد الزكوي التالي”.

ومن أمثلة هذه الحالات، أن يكون المستحق للزكاة عاجزًا عن إدارة مبلغ كبير من المال، أو يحتاج إلى إعالة شهرية مستمرة تضمن له ثبات الإنفاق على ضروراته الحياتية، كالطعام والدواء والتعليم.

الزكاة المؤجلة تُعزل وتُعامل كمال الفقير

ولضمان النزاهة والشفافية، شدد أمين الفتوى على ضرورة أن يُفصل مال الزكاة عند حلول الحول، بحيث يُحدد المزكي المبلغ المخصص، ويضعه في حساب أو موضع منفصل عن أمواله الخاصة، على أن يُعامل معاملة مال الفقير منذ لحظة العزل، حتى وإن تم توزيع المبلغ لاحقًا على أقساط.

وأشار إلى أن الأفضل والأكمل، بلا شك، هو إخراج الزكاة دفعة واحدة، تحقيقًا لمقاصد الشريعة في التعجيل بإغاثة المحتاجين، لكن الرخصة في التقسيط جاءت للتيسير على الحالات الإنسانية المعقدة، وتُعد من صور الرحمة والتكيّف الفقهي مع متغيرات العصر واحتياجات الفقراء.

حكم الزكاة التي لم تُدفع قبل وفاة المزكي

وفي سياق متصل، استعرضت دار الإفتاء المصرية حكم الزكاة التي لم تُخرج من قبل المسلم قبل وفاته، حيث أصدرت بيانًا سابقًا بيّنت فيه اختلاف الفقهاء حول هذه المسألة، مشيرة إلى وجود قولين رئيسيين:

أولاً: رأي جمهور العلماء (المالكية والشافعية والحنابلة)

يرى جمهور العلماء أن الزكاة لا تسقط بوفاة المكلف، بل يجب إخراجها من تركته بعد موته، سواء أوصى بها أم لم يوصِ، وذلك باعتبارها دينًا لله يجب قضاؤه. واستدل هؤلاء العلماء بقول الله تعالى:

{مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]

كما استندوا إلى الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:

«فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» [متفق عليه].

وبناءً على هذا القول، فإن الورثة ملزمون شرعًا بإخراج الزكاة عن الميت من ماله قبل تقسيم التركة.

ثانيًا: رأي السادة الحنفية

بينما ذهب فقهاء الحنفية إلى أن الزكاة تسقط بوفاة المكلف، لكونها عبادة ذات طابع شخصي، يُشترط فيها نية الأداء من المكلف ذاته، وبالتالي لا يجب على الورثة إخراجها بعد وفاته إلا إن أرادوا التبرع بها كصدقة عن الميت.
إلا أن الحنفية استثنوا من ذلك زكاة الزروع والثمار، مؤكدين أن تلك الزكاة لا تسقط بالموت، باعتبارها متعلقة بعين المال نفسه.

الزكاة عبادة ومجتمع.. تيسير لا تفريط

وفي ختام تصريحاته، شدد أمين الفتوى على أن الزكاة ليست مجرد عمل مالي أو تبرع عابر، بل عبادة شرعية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية عظيمة، ومقاصدها تتجلى في تحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفقر، وتعزيز التكافل بين أبناء المجتمع.

وأكد أن الفقه الإسلامي قائم على مراعاة المصالح ودرء المفاسد، ومن هذا المنطلق جاءت الفتوى بجواز تقسيط الزكاة لمصلحة الفقير كصورة من صور التيسير، دون المساس بأصل الواجب.

ودعا الشيخ إبراهيم عبد السلام جمهور المسلمين إلى تحرّي الدقة والنية الصادقة في أداء الزكاة، وعدم التهاون في هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، مؤكدًا أن “ما نقص مال من صدقة، بل يزيده الله بركة ونماء”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى