الأطفال في صلاة الجمعة.. سنة نبوية وآداب المسجد

كتب: مصطفى علي
مع اقتراب موعد صلاة الجمعة كل أسبوع، تبرز تساؤلات عديدة بين أولياء الأمور حول مدى جواز اصطحاب الأطفال غير البالغين إلى المسجد خلال هذه الشعيرة الجامعة التي تمثل ذروة اجتماع المسلمين وبين الرغبة في تنشئة الأبناء على حب العبادات، والحرص على قدسية المسجد وطمأنينة المصلين، تتباين المواقف بين مؤيد يرى في هذا الفعل تربية مبكرة، ومعارض يخشى من إحداث ضوضاء أو تشويش على الخطيب والمصلين.
الرؤية الشرعية.. استحباب مؤكد لتعويد الصغار على حضور الجمعة
تكشف الفتاوى المعتمدة عن أن اصطحاب الأطفال غير البالغين إلى صلاة الجمعة أمر مستحب شرعًا، خصوصًا إذا كانوا في مرحلة التمييز، أي قادرين على فهم التوجيهات واحترام قدسية المكان ويرى أهل العلم أن هذا الفعل يرسخ في نفوسهم حب المسجد، ويهيئهم مبكرًا للالتزام بالصلاة جماعة عندما يبلغون سن التكليف.
ويؤكد الفقهاء أن الاستحباب يزداد إذا كان الهدف هو تعويدهم على الممارسات التعبدية وتربية حس الانضباط، وهو ما ينسجم مع توجيهات الشريعة التي تحث على نشأة الأبناء على القيم الدينية منذ نعومة أظفارهم. كما يشدد العلماء على أن تعليم الأطفال آداب المسجد لا يكون بالتعنيف بل بالرفق والرحمة، باعتبار أن التربية الروحية تحتاج بيئة مشجعة لا منفرة.
السيرة النبوية.. مشاهد حيّة تؤكد احتضان المسجد للأطفال
السنة النبوية تنقل صورًا واضحة عن حضور الأطفال في المسجد أثناء الصلاة دون منع أو تضييق.
ومن أبرز تلك الصور، الرواية التي نقلها الصحابي أبو قتادة الأنصاري، إذ قال إنه رأى رسول الله ﷺ يؤمّ الناس وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص، حفيدته من ابنته زينب. وكان النبي ﷺ إذا ركع وضعها وإذا قام من السجود أعادها إلى كتفه، في مشهد يجمع بين شرف الإمامة وأرقى صور الرحمة بالأطفال.
كما تروي كتب الحديث موقفًا آخر يبعث رسالة عميقة في تسامح الإسلام مع حضور الصغار؛ إذ خرج النبي ﷺ في إحدى صلاتي العشاء وهو يحمل الحسن أو الحسين، فوضعه قبل بدء الصلاة. وخلال السجود أطال السجدة إطالة غير معتادة، حتى أثارت تساؤلات الصحابة، ليتبين بعد انتهاء الصلاة أن الطفل كان فوق ظهر النبي وهو ساجد، فلم يشأ أن يرفعه حتى يقضي حاجته من اللعب أو الراحة.
هذه المشاهد لا تعكس السماح فقط، بل تؤكد أن المسجد في زمن النبوة كان مكانًا مرحبًا بالأطفال، وأن الضوابط لم تكن مانعة بل مُهذِّبة.
ضوابط وآداب.. كيف نهيئ الأطفال لحضور الجمعة؟
رغم أن الشريعة أجازت بل واستحبت اصطحاب الأطفال، إلا أنها وضعت إطارًا تربويًا يحفظ للمسجد قداسته، وللمصلين خشوعهم. ومن أبرز الآداب التي ينبغي تعليمها للصغار:
1. احترام قدسية المسجد
تنبيه الطفل إلى ضرورة تجنب اللعب المبالغ فيه، والركض بين الصفوف، أو إصدار أصوات تُشوش على بقية المصلين.
2. الحفاظ على نظافة المكان
تعويد الأطفال على احترام نظافة المسجد، وعدم ترك بقايا طعام أو أدوات، وتوجيههم بلطف إلى السلوك الملائم.
3. الجلوس بجوار ولي الأمر
من الأفضل أن يجلس الطفل قريبًا من أبيه أو مرافقه داخل الصف؛ لمنعه من التنقل بين الصفوف أو التسبب في اضطراب.
4. تعليمهم خطوات الصلاة وآداب الاستماع للخطبة
شرح مبسط للصلاة، وطريقة الوقوف، وخفض الصوت، والإنصات للخطيب قدر المستطاع بما يناسب أعمارهم.
5. استخدام أسلوب الرفق لا العنف
حذرت السنة من قسوة التعامل مع الطفل داخل المسجد، لأن ذلك قد يترتب عليه نفور دائم من الأماكن المقدسة.
لماذا نحتاج إلى حضور الأطفال للمساجد؟
يرى المتخصصون في التربية أن حضور الأطفال لصلاة الجمعة يحمل فوائد نفسية وسلوكية وروحية، أبرزها:
تعزيز الانتماء للمجتمع الإسلامي.
تكوين شخصية سوية منضبطة على قيم الاحترام.
خلق ارتباط وجداني بالمسجد يلازم الطفل حتى مرحلة الشباب.
تقوية الروابط العائلية عبر ممارسة عبادات مشتركة.
تعليم السلوك الحضاري في الأماكن العامة.ويرى علماء النفس الديني أن الطفل الذي يرى الصلاة واقعًا حيًا، لا مجرد تعليم نظري، يكتسب تدريجيًا القدرة على المداومة في المستقبل دون إكراه أو ضغط.