الأزهر يحذّر من فوضى العالم الرقمي ويدعو إلى ميثاق أخلاقي

كتب: مصطفى علي
في إطار رسالته التوعوية المتواصلة، وحرصه على مواكبة القضايا المعاصرة التي تمس وعي المجتمع وقيمه، نظم جناح الأزهر الشريف ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة علمية موسعة بعنوان «قراءة شرعية وأخلاقية لتحديات العالم الرقمي»، وذلك بحضور نخبة من قيادات الفكر والدعوة والإعلام، يتقدمهم الأستاذ الدكتور محمد الجندي، أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، والأستاذ الدكتور رضا عبدالواجد، عميد كلية الإعلام بجامعة الأزهر، وأدار الندوة الدكتور علي حامد، عضو المركز الإعلامي بمشيخة الأزهر.
الندوة جاءت لتسلط الضوء على التحولات العميقة التي فرضها العالم الرقمي، وما نتج عنها من تحديات فكرية وأخلاقية وسلوكية، باتت تهدد بنية المجتمعات، خاصة فئة الشباب، في ظل غياب الضوابط، واتساع مساحة الفوضى المعلوماتية والفتاوى غير المنضبطة.
أكد الأستاذ الدكتور محمد الجندي أن قضية الوعي تمثل التحدي الأكبر في هذا العصر، مشددًا على أن تشكيل وعي الشباب لم يعد مسألة عفوية، بل يحتاج إلى خطة دقيقة ومنهج محكم يحمي الأخلاق والقيم من حملات رقمية منظمة تستهدف تفكيك الهوية الثقافية والدينية للمجتمعات.
وأوضح أن العالم الرقمي أتاح اختراق المجتمعات بسهولة غير مسبوقة، من خلال منصات تُدار بحرفية عالية، وتُرصد لها ميزانيات ضخمة، بهدف تمرير أفكار وسلوكيات تتصادم مع قيم المجتمعات العربية والإسلامية، وعلى رأسها الترويج للإلحاد، والشذوذ، والتشكيك في الثوابت الدينية، وهي ظواهر وصفها بأنها دخيلة ومرفوضة يجب مواجهتها بوعي لا يقل عن حجم الخطر.
ميثاق شرف أخلاقي
وشدد الدكتور الجندي على الحاجة الملحّة إلى ميثاق شرف أخلاقي ينظم التعامل مع العالم الرقمي، ويضع ضوابط واضحة تحمي عقول الشباب من الرسائل المسمومة، مؤكدًا أن غياب هذا الإطار الأخلاقي أسهم في اتساع دائرة التأثير السلبي للمنصات الرقمية.
وأشار إلى أن انشغال كثير من الأسر عن متابعة أبنائها، بل وانغماس الآباء والأمهات أنفسهم في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أسهم في تفكك الروابط الأسرية، وترك الأبناء فريسة سهلة لحملات ممنهجة تستهدف وعيهم وقيمهم، وهو ما يضاعف مسؤولية أولياء الأمور في المراقبة والتوجيه والمصاحبة الواعية.
وفي ملف شديد الحساسية، حذر أمين عام مجمع البحوث الإسلامية من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية في استقاء الفتاوى الدينية، مؤكدًا أن ذلك يمثل خطرًا بالغًا على الدين والناس، نظرًا لعجز العقل الاصطناعي عن فهم واقع المستفتي، واستحضار الملابسات، وتحقيق مناط الحكم الشرعي.
وأوضح أن الفتوى ليست إجابة آلية، بل عملية اجتهادية معقدة تتطلب علمًا وفقهًا وفهمًا للواقع، وهي شروط لا تتوافر إلا في العلماء المتخصصين، مشددًا على أن الأزهر الشريف بعلمائه ومفتِيه يظل المرجعية الموثوقة القادرة على تقديم الفتوى المنضبطة التي تحمي الدين من العبث.
لا منع كلي ولا ترك مطلق
وأكد الدكتور الجندي أن الحل لا يكمن في المنع المطلق لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولا في ترك الأبناء دون توجيه، وإنما في منهج التوازن القائم على المصاحبة، والمتابعة، والتوعية، وغرس القيم الأخلاقية التي تمنح الشباب مناعة رقمية تحميهم من الانزلاق خلف المحتوى الضار.
وأشار إلى أن تعريف الأبناء بمخاطر العالم الرقمي، وتعليمهم أساليب الاستخدام الرشيد، هو السبيل الأمثل لبناء وعي قادر على التمييز بين النافع والضار، في عالم لم يعد من الممكن العزلة عنه.
أكد الأستاذ الدكتور رضا عبدالواجد أن العالم بات أسيرًا لما وصفه بـ«ابتلاء المنصات الإلكترونية»، التي اقتحمت كل تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد ممكنًا تجاهلها أو الانفصال عنها، ما يجعل الوعي والاستخدام الرشيد الخيار الوحيد المتاح.
وأوضح أن نشر الشائعات والأخبار الكاذبة يمثل أخطر تحديات الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أن المجتمعات أصبحت مكشوفة من الداخل، وأن البيانات تحولت إلى سلعة استراتيجية، وهو ما يفسر السباق العالمي المحموم للاستحواذ على منصات التواصل الاجتماعي بمليارات الدولارات، لأن من يمتلك المعلومة يمتلك القوة والثروة.
وأشار عميد كلية الإعلام إلى مفارقة خطيرة فرضها العصر الرقمي، حيث يعيش العالم في «منزل واحد» دون أن يعرف أفراده بعضهم بعضًا، بل يعيش كل فرد في عزلة داخل عالمه الافتراضي، وهو ما انعكس في ارتفاع معدلات الاكتئاب، والتوحد، والاضطرابات النفسية، خاصة بين الأطفال والشباب.
ووصف هذه الظواهر بأنها جرس إنذار حقيقي يفرض على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية التحرك العاجل، ووضع حلول عملية للحد من الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة للعالم الرقمي
محتوى واعٍ وجيش من المدونين في مواجهة الفوضى
ودعا الدكتور رضا عبدالواجد إلى ضرورة صناعة محتوى رقمي واعٍ، قادر على المنافسة والتأثير، مشددًا على أهمية إعداد جيل من المدونين وصناع المحتوى الذين يقدمون خطابًا راشدًا يعالج القضايا بعمق ومسؤولية، ويكون بديلاً حقيقيًا عن المحتوى الهدام المنتشر على المنصات.



