
في صباح يومٍ مشحونٍ بالقلق والأمل، تجمع عشرات الآلاف من الفلسطينيين في شارع الرشيد المدمر بوسط قطاع غزة، حاملين معهم أحلام العودة إلى منازلهم في شمال القطاع.
كانت وجوههم تعكس مزيجًا من التعب والأمل، بعد أشهرٍ طويلةٍ من النزوح والمعاناة في الوقت نفسه، وعلى بعد مئات الكيلومترات، وقف آلاف اللبنانيين في جنوب لبنان، ينتظرون بدورهم الإذن بالعودة إلى قراهم ومدنهم التي أجبروا على تركها.

كان الفارق بين الحالتين عامًا واحدًا فقط، فبينما بدأ نزوح الفلسطينيين في أكتوبر 2023 بعد تهديدات الجيش الإسرائيلي بقصف شمال غزة، بدأ نزوح اللبنانيين في أكتوبر 2024 نتيجة تهديدات مماثلة في جنوب لبنان؛ وفي كلا الحالتين كانت النتيجة واحدة؛ آلاف العائلات التي أجبرت على ترك منازلها، حاملةً معها القليل من الذكريات والأمل في العودة.
اتفاقيات وقف إطلاق النار: وعود لم تُنفذ
في غزة، نص اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس على السماح للفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم في شمال القطاع بدءًا من يوم السبت أو الأحد. أما في لبنان، فقد نص اتفاقٌ مماثلٌ على انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان خلال 60 يومًا من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وهو الموعد الذي صادف يوم الأحد.
لكن الوعود بقيت حبرًا على ورق، فمع شروق شمس الأحد، لم يُسمح للفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم، ولم يُسمح للبنانيين بالاقتراب من قراهم؛ بدلاً من ذلك، وجدوا أنفسهم أمام تحذيراتٍ جديدةٍ من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، الذي أعلن أن “كافة التعليمات القائمة لا تزال سارية المفعول”.

تحذيرات أفيخاي أدرعي: العودة معلقة
في بيانٍ صدر صباح الأحد، حذر أدرعي الفلسطينيين من الاقتراب من محور نتساريم، قائلاً: “في ضوء خرق اتفاق وقف إطلاق النار من قبل حماس، فإن كافة التعليمات القائمة لا تزال سارية المفعول، بما في ذلك حظر الاقتراب من محور نتساريم حتى الإعلان عن فتحه”؛ وأضاف أن المحور لن يُفتح حتى يتم تسوية قضية المواطنة الإسرائيلية، أربيل يهود، التي ما زالت محتجزة.
أما في لبنان، فقد وجه أدرعي تحذيرًا مماثلًا لسكان الجنوب، قائلاً: “يحظر عليكم الانتقال جنوباً إلى خط القرى ومحيطها حتى إشعار آخر. كل من ينتقل جنوب هذا الخط يعرض نفسه للخطر”.

المشاهد المتكررة: الانتظار والاشتباكات
في شارع الرشيد، تجمع الفلسطينيون منذ مساء السبت، حاملين معهم القليل من الأمتعة والأمل. كانت الشوارع المحيطة مكتظةً بالسيارات المحملة بالملابس والأثاث الخفيف، بينما وقف الأطفال والنساء والرجال في طوابير طويلة، ينتظرون إشارةً تسمح لهم بالعبور.
لكن الانتظار لم يكن سلميًا. فمع مرور الساعات، اندلعت اشتباكاتٌ بين الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين، ما أدى إلى مقتل فلسطيني وإصابة آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي. وفي جنوب لبنان، تكرر المشهد نفسه، حيث قُتل جندي لبناني وأُصيب آخر في اشتباكاتٍ مع القوات الإسرائيلية.
وأعلنت حركة حماس أنها تتابع مع الوسطاء منع الاحتلال الإسرائيلي عودة النازحين من الجنوب إلى الشمال، معتبرة ذلك خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
وفي بيان لها، أكدت الحركة أن الاحتلال يتلكأ بذريعة الأسيرة أربيل يهود، على الرغم من أن حماس أبلغت الوسطاء بأنها على قيد الحياة وقدمت كل الضمانات اللازمة للإفراج عنها.
وحملت حماس الاحتلال مسؤولية تعطيل تنفيذ الاتفاق، مشددة على أنها تتابع مع الوسطاء بكل جدية التوصل إلى حل يضمن عودة النازحين.

قُتل 11 لبنانياً، بينهم جندي، وأصيب 83 آخرون برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء محاولتهم العودة إلى بلداتهم جنوبي البلاد اليوم الأحد. جاء ذلك بعد تحذير الجيش الإسرائيلي من العودة إلى 66 بلدة، ورفضه الانسحاب بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار.
وأكدت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 11 شخصاً وإصابة 83 آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء محاولتهم العودة إلى قرى مثل برج الملوك، كفركلا، حولا، وادي السلوقي، مركبا، وميس الجبل.
وأفاد الجيش اللبناني بمقتل جندي وإصابة آخر في إطلاق نار من الجيش الإسرائيلي في مروحين وميس الجبل جنوبي لبنان.
وشدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على متابعته لقضية عدم انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني وإطلاقه النار على اللبنانيين على أعلى المستويات، لضمان حقوق الشعب اللبناني. وأكد عون أن “سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة”، داعياً أهالي الجنوب إلى ضبط النفس والثقة بالجيش اللبناني.
كما دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الدول الراعية لاتفاق وقف النار إلى ردع إسرائيل وإجبارها على الانسحاب، مشيراً إلى أن أي تراجع عن الالتزام ببنود الاتفاق وتطبيق القرار 1701 ستكون له عواقب وخيمة.
وأكد رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة نواف سلام، خلال اتصال هاتفي مع عون، ثقته الكاملة بالجيش لحماية سيادة لبنان وتأمين عودة سكان الجنوب.
من جانبها، أكدت المنسقة الأممية وقائد اليونيفيل في لبنان أن الظروف غير مهيأة لعودة آمنة للمواطنين إلى قراهم على طول الخط الأزرق، مشيرين إلى أن “الفصل الأخير من النزاع يتم عبر التزام الطرفين وتنفيذ القرار 1701”.
الأمل الذي لم يمت
رغم كل شيء، لم يفقد الناس الأمل ففي غزة، ظل الفلسطينيون يرددون: “سنعود، حتى لو طال الانتظار”؛ وفي لبنان، وقف اللبنانيون صامدين، مؤمنين بأن يوم العودة قريب، كانت المشاهد متشابهة في كلا المكانين: وجوهٌ تعبت من الحرب، لكنها ما زالت تحمل في داخلها إرادة الحياة.





تعليق واحد