التكبير في عيد الفطر.. شعيرة إسلامية تعكس البهجة والروحانية

مع حلول عيد الفطر المبارك، تتردد أصوات التكبير في المساجد والمنازل والشوارع، لترسم أجواءً مميزة تعكس الفرح والسرور بختام شهر رمضان المبارك.
ويُعد التكبير من أبرز الشعائر الإسلامية التي ارتبطت بالعيدين، وهو سنة مؤكدة حثّ عليها النبي محمد ﷺ، تعبيرًا عن الامتنان لله تعالى على توفيقه للصيام والقيام.
لكن يبقى هناك تساؤلات عديدة تدور حول هذه الشعيرة المهمة، مثل موعد بدايتها، وصيغها المختلفة، وحكمها الشرعي، وكيفية أدائها وفقًا لما ورد عن أهل العلم. وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه في هذا التحقيق، مستعرضين آراء الفقهاء وأبرز الفتاوى الصادرة عن الجهات الدينية المختصة.
موعد بدء التكبير في عيد الفطر.. اختلاف بين المذاهب الفقهية
أكدت وزارة الأوقاف أن التكبير في العيد سنة مشروعة باتفاق الفقهاء، إلا أن هناك اختلافًا في تحديد وقت بدايته فمنهم من يرى أنه يبدأ بمجرد ثبوت رؤية هلال شوال ومنهم من يرى أن وقته يبدأ عند التوجه إلى مصلى العيد.
رأي الشافعية والحنابلة وأحد أقوال المالكية: يبدأ التكبير بمجرد إعلان ثبوت رؤية هلال شهر شوال وذلك استنادًا إلى قول الله تعالى في سورة البقرة:
“وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ” (البقرة: 185).
أي أن الحكمة من التكبير هي شكر الله على التوفيق لإتمام الصيام والعبادة وبناءً على هذا التفسير، رأى هؤلاء الفقهاء أن التكبير يبدأ من ليلة العيد ويستمر حتى أداء صلاة العيد.
رأي الحنفية والمشهور عند المالكية والحنابلة: يرى هؤلاء الفقهاء أن التكبير يبدأ من وقت الخروج إلى صلاة العيد أي أن المسلم لا يبدأ بالتكبير ليلة العيد، وإنما عند التوجه إلى المصلى.
وقد أوضحت وزارة الأوقاف أنه لا حرج في الأخذ بأي من هذين الرأيين إذ إن الأمر واسع وما يهم هو إحياء هذه السنة النبوية التي تعكس فرحة المسلمين بالعيد.
حكم التكبير في عيد الفطر.. سنة مؤكدة بالإجماع
اتفق جمهور العلماء من مختلف المذاهب على أن التكبير في العيدين سنة مؤكدة وهو من السنن الجماعية التي يستحب إحياؤها سواء كان ذلك في البيوت أو المساجد أو الشوارع والأسواق.
ويُسن الجهر بالتكبير للرجال في حين أن النساء يفضل لهن التكبير بصوت منخفض وذلك تأسيًا بما كان عليه الصحابة والتابعون.
أما عن توقيت انتهاء التكبير، فقد جاء في المذهب الشافعي والمالكي أن وقته ينتهي مع خروج الإمام لأداء صلاة العيد بينما يرى الحنابلة أنه يستمر حتى انتهاء خطبة العيد.
صيغ التكبير المتنوعة.. من الصيغ القصيرة إلى الصيغ المطولة
يعد التكبير من الشعائر التي لم ترد فيها صيغة واحدة ملزمة، بل تعددت الصيغ التي تناقلها العلماء عبر الأجيال وجميعها صحيحة ومقبولة شرعًا.
الصيغة القصيرة والمشهورة بين عامة المسلمين:
“الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.”
الصيغة المطولة التي أقرتها دار الإفتاء المصرية:
“الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، لا إله إلا الله وحده صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.”
وقد أشارت وزارة الأوقاف إلى أن الإمام الشافعي كان يرى أنه لا بأس بأن يزيد المسلم في التكبير ما يشاء من الذكر، مستندًا إلى قوله:
“وإن كَبَّر على ما يكبر عليه الناس اليوم فحسن، وإن زاد تكبيرًا فحسن، وما زاد مع هذا من ذكر الله أحببتُه.”
وهذا يؤكد أن باب الذكر مفتوح في العيد، ولا ينبغي التقيد بصيغة واحدة، بل يمكن للمسلمين التخيّر من بين الصيغ المختلفة وفقًا لما يناسبهم.
التكبير بين العادة والعبادة.. كيف يستقبله المسلمون؟
التكبير في العيد لا يقتصر فقط على المساجد أو أثناء الصلاة، بل هو مظهر عام من مظاهر الفرح التي تتجلى في كافة المجتمعات الإسلامية حيث يحرص المسلمون على ترديده بصوت مرتفع في المنازل والشوارع والأسواق ليملأ الأجواء بروحانية خاصة.
وفي حديثنا مع بعض المواطنين حول أهمية التكبير في العيد، يقول محمود عبد الرحمن، أحد سكان القاهرة:
“أشعر بفرحة لا توصف عندما أسمع التكبيرات تتردد في كل مكان، فهي تذكرنا بأن العيد ليس مجرد مناسبة اجتماعية، بل هو عبادة وفرحة مشروعة.”
أما السيدة نادية حسن، وهي ربة منزل، فتؤكد أن التكبير عادة جميلة تحرص عليها مع أبنائها في كل عيد، وتضيف:
“منذ صغرنا ونحن نردد التكبيرات مع والدينا في ليلة العيد، وعندما كبرنا نقلنا هذه العادة إلى أبنائنا، فهي جزء لا يتجزأ من فرحة العيد.”
أدعية مستحبة في يوم العيد.. روحانية تغمر القلوب
إلى جانب التكبير يحرص المسلمون على الإكثار من الدعاء في يوم العيد سائلين الله المغفرة والرحمة والقبول ومن الأدعية التي يستحب ترديدها:
“اللهم تقبل منا الطاعات، واغفر لنا الخطايا والسيئات، وأبدلنا بعد رمضان حسنات مضاعفة ورضوانًا منك يا أرحم الراحمين.”
“اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفرح بهم الملائكة يوم العيد، واكتب لنا من فضلك رزقًا واسعًا، وصحة دائمة، وقلبًا خاشعًا مطمئنًا.”
“اللهم اجعل هذا العيد فرحةً لنا ولأحبابنا، وأصلح ذات بيننا، وأكرمنا برضاك، وأعنا على شكرك وذكرك وحسن عبادتك.”
التكبير روح العيد ونبضه
لا شك أن العيد يحمل مشاعر الفرح والسعادة لكنه أيضًا محطة روحانية تذكر المسلمين بفضل الله عليهم وتجدد في قلوبهم حب العبادة والطاعة.
ويظل التكبير في العيد صوتًا يعكس بهجة المسلمين وسعادتهم، ويمنح للأجواء العيدية طابعًا مميزًا فهو ليس مجرد كلمات تردد، بل هو تعبير صادق عن الامتنان لله وشكره على نعمه.