مرصد الأزهر: 95% من مدارس غزة دُمّرت وأطفالها يتعلمون تحت الأنقاض

كتب: مصطفى علي
وسط دمار شامل يلفّ كل جوانب الحياة في قطاع غزة، عاد أطفالٌ فلسطينيون إلى مقاعد الدراسة التي تحولت إلى رموز للمقاومة والصمود أكثر من كونها صفوفًا تعليمية.
في بيان جديد، كشف مرصد الأزهر لمكافحة التطرف عن حجم الكارثة التي لحقت بالقطاع التعليمي، مؤكدًا أن 95% من مدارس غزة تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي بفعل القصف الإسرائيلي المتواصل منذ بدء العدوان، في واحدة من أوسع عمليات التدمير التي استهدفت التعليم في التاريخ الحديث.
ورغم هذا الواقع القاسي، لم يمنع الركام أطفال غزة من العودة إلى المدرسة الكمالية الأثرية، حاملين حقائبهم الصغيرة وأحلامهم الكبيرة، في مشهد مؤثر يجسد تمسكهم بالأمل ورغبتهم في استعادة حقهم المسلوب في التعلم، رغم محاولات الاحتلال المستمرة لمحو ملامح الحياة ومستقبل الأجيال الجديدة في القطاع.
بنية تعليمية منهارة ودمار شامل للمؤسسات
أوضح مرصد الأزهر في تقريره أن القصف الإسرائيلي طال كل أركان البنية التحتية التعليمية في غزة، ليحوّل المدارس والجامعات إلى أطلال.
فقد بلغ عدد المدارس والمؤسسات التعليمية المتضررة 550 منشأة تعليمية بين مدارس حكومية ومدارس تابعة لوكالة الأونروا، بينما دُمرت 143 مؤسسة تعليمية بالكامل، وتعرضت 366 مؤسسة أخرى للدمار الجزئي.
وأشار المرصد إلى أن 287 مبنى حكوميًّا كانت تخدم نحو 400 مدرسة بنظام الفترتين، لكنها اليوم باتت غير صالحة للاستخدام بعد استهدافها المباشر والمتكرر بالقصف الجوي والمدفعي.
وأكد أن هذه الأرقام الكارثية تعكس حجم الخطر الذي يهدد أحد أهم مقومات الحياة الفلسطينية، إذ لم يعد التعليم في غزة مجرد خدمة إنسانية، بل أصبح معركة بقاء في وجه محاولات الطمس والتجريف الممنهج.
أرقام موجعة.. خسائر بشرية غير مسبوقة
لم تقتصر الخسائر على الحجر فقط، بل امتدت إلى البشر الذين يشكّلون القلب النابض للعملية التعليمية.
فقد أشار مرصد الأزهر إلى أن 18 ألف طالب وطالبة استشهدوا منذ بدء العدوان، بينهم 1500 طالب جامعي فقدوا حياتهم في القصف الذي طال الجامعات والمساكن الطلابية.
كما استشهد 750 معلمًا ومعلمة من مدارس غزة كانوا يؤدون واجبهم في خدمة التعليم، إلى جانب 230 أستاذًا جامعيًّا من الكوادر الأكاديمية التي شكّلت عماد الجامعات الفلسطينية.
هذه الأرقام، وفق المرصد، لا تمثل مجرد إحصاءات، بل هي شهادات على جريمة ممنهجة استهدفت العقول الفلسطينية قبل أن تستهدف البنية المادية، في محاولة لتجفيف منابع المعرفة وإفقاد الشعب الفلسطيني أدوات النهوض والمقاومة الفكرية.
ورغم مشهد الدمار المروّع، لم تتوقف الإرادة الفلسطينية عن إيجاد بدائل.
فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في رام الله عن إنشاء 234 نقطة تعليمية مؤقتة بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، لاستيعاب نحو 80 ألف طالب حُرموا من مدارسهم الأصلية.
ورغم أن هذا الرقم أقل من الأعوام السابقة بسبب استهداف التجمعات التعليمية، فإن تلك النقاط مثلت بارقة أمل عاجلة في بيئة شبه مدمّرة.
كما أطلقت الوزارة 25 مدرسة افتراضية تعمل بنظام التعليم الإلكتروني، بمشاركة 1500 معلم ومعلمة من الضفة الغربية، وقد سجّل فيها أكثر من 130 ألف طالب خلال يومين فقط، في إقبال وصفه المرصد بأنه “دليل على عطش الأجيال الفلسطينية للعلم رغم النار والحصار”.
وفي سابقة تاريخية، يتقدّم نحو 26 ألف طالب من مواليد 2006 لامتحانات الثانوية العامة إلكترونيًّا، في نموذج يعكس الإصرار الفلسطيني على انتزاع حقه في التعلم ولو عبر الشاشات.
اعتبر مرصد الأزهر أن ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة تعليمية، بل تحدٍّ وجودي للضمير الإنساني العالمي، مؤكدًا أن تدمير المدارس والجامعات هو استهداف مباشر لمستقبل فلسطين ولحق الأطفال في الحياة الكريمة.
وشدد المرصد على أن إعادة إعمار قطاع التعليم واجب إنساني وقانوني لا يحتمل التأجيل، مطالبًا المجتمع الدولي ومؤسساته المعنية بحقوق الطفل والإنسانية بالتحرك الفوري لإعادة بناء المدارس والمراكز التعليمية.
وأشار البيان إلى أن التعليم ليس ترفًا ولا امتيازًا، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، وأن حرمان أطفال غزة منه يُعد جريمة مضاعفة، خصوصًا بعد أن تحوّل كثير منهم إلى لاجئين داخل وطنهم، يعيشون بين خيام النزوح أو بين أنقاض منازلهم.
الأزهر.. صوت العدالة والضمير العالمي
جدّد مرصد الأزهر دعوته للمجتمع الدولي إلى أن يقف أمام مسؤولياته الأخلاقية والتاريخية تجاه الشعب الفلسطيني، مؤكدًا أن صمت العالم أمام تدمير المدارس هو مشاركة ضمنية في الجريمة.
وطالب المرصد بضرورة توفير دعم عاجل لإعادة بناء ما دمره الاحتلال، وضمان استمرار العملية التعليمية بصورة آمنة ومستدامة، باعتبارها الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة والاستقرار في المنطقة.
كما شدد على أن الأزهر الشريف سيواصل فضح الانتهاكات التي تمسّ حق الفلسطينيين في التعليم، مؤكدًا أن الحفاظ على المدرسة الفلسطينية هو حفاظ على الوعي والكرامة الإنسانية، وأن إعادة إعمارها هي أول خطوة نحو بناء مستقبل أكثر عدلًا وإنصافًا لأطفال غزة.



