مقالات

محمد العيادي يكتب: الصهيونية والنظرة الاستعمارية البحتة

الأطماع الإمبريالية ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى زمن بعيد، وبالأخص إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وعندما ضعفت الدولة العثمانية، بدأ التوسع الاستعماري في أفريقيا وآسيا من قبل الدول الرأسمالية، كبريطانيا وفرنسا، وذلك لحاجتها الماسة إلى أسواق، لتصريف منتجاتها الصناعية، واستثمار الفائض من الأموال، بعد إغلاق السوق الأوروبية وضيق السوق الداخلية في كل من فرنسا وبريطانيا.

يعد توجيه الاتهام للعرب، أو لأي فصيل آخر، بأنهم هم السبب فيما يحدث، هو قول فيه مغالطة كبيرة، وغير مبني على أسس علمية وواقعية، فالصراع قائم على أطماع متعددة، منها الاقتصادية والدينية. وقد ظهر ذلك جليًا عندما ضعفت الإمبراطورية العثمانية، واندلعت الثورة العربية التي ساهمت في تفككها في منطقة الشرق الأوسط، مما دفع دولتي فرنسا وبريطانيا العظمى للتحرك، خاصة بعد الركود الاقتصادي الذي حل بهما عام 1873 واستمر حتى عام 1896. وشهدت تلك الفترة انخفاضًا حادًا في الأسعار والدخول، بعد النمو الكبير الذي تحقق بدايةً من عام 1851 وحتى بداية الأزمة الاقتصادية، مما أثار اضطرابات اجتماعية نتيجة الكساد وتكدس المنتجات. وانخفاض الطلب على الفولاذ، مما أدى إلى إغلاق مصانع الحديد والصلب، وبالتالي تقليل الطلب على الفحم الحجري والحديد الخام، وتوقف النمو في القطاعات الصناعية،و نتج عن ذلك تسريح العمال وانتشار البطالة، مما دفع الدول الأوروبية الأخرى إلى فرض حواجز جمركية لحماية صناعاتها من المنافسة الفرنسية والبريطانية. وهذا يشبه ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في العصر الحالي، وقد يكون إشارة إلى توسعات استعمارية جديدة، استمرارًا لمقولة “جول فيري” مؤسس هذه السياسة الاستعمارية: “إن تأسيس مستعمرة هو بمثابة خلق سوق”. وهنا نعود لنذكر العرب بما حدث في الماضي.

لقد وضع “فيري” أسسًا قوية للتوسع الاستعماري، معتبرًا أن السلم الاجتماعي في العصر الصناعي للبشرية يعتمد على الأسواق، وأن الطاقة الإستهلاكية في أوروبا قد بلغت أقصى حدّ ممكن، لذا كان يرى ضرورة خلق فئات جديدة من المستهلكين في مناطق أخرى من العالم لحماية المجتمع العصري من الانهيار، وتجنب هلاك جماعي في مطلع القرن العشرين نتيجة لكارثة لا يمكن تقدير عواقبها، ففي تلك الفترة، ازدادت الأطماع في استعمار فلسطين، خاصة بعد النهوض الاقتصادي ووفرة الأموال بفضل الأرباح التي وُجِّهت للإستثمار في أوروبا.

وقد صرّح رئيس المصرف الليوني بأن لديهم أموالًا كثيرة غير مستثمرة، وأن المال أصبح يثقل كاهلهم ولا يدرون كيف يتصرفون به، مما عزز نظرتهم الإستعمارية، خاصة بعد ضعف الدولة العثمانية. فوُجِّهت الأنظار نحو فلسطين لموقعها الجغرافي المتميز، فهي تقع على مفترق قارتي أفريقيا وآسيا، بالقرب من أوروبا، وبين البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، وقريبة من المحيط الهندي. كانت الحرب العالمية الأولى الشرارة التي أدت إلى الاستيلاء على هذا الإرث، الذي كان مُقسَّمًا بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ولكن بعد تحالف ألمانيا مع العثمانيين، أُعيد تقسيم الإرث بين روسيا وفرنسا وبريطانيا قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، على أن يكون غربي سوريا وجنوب الأناضول والموصل في شمال العراق من نصيب فرنسا، وجنوب سوريا وشرقيها والعراق حتى شمال كركوك، بالإضافة إلى ميناء حيفا وعكا من نصيب بريطانيا، تؤول إسطنبول بضفتي البوسفور وشرق الأناضول إلى روسيا، بينما تخضع فلسطين لحكم دولي باستثناء مينائي حيفا وعكا اللذين يقعان تحت سيطرة بريطانيا.

وبدأت الحرب العالمية الأولى، وانتهت معها الدولة العثمانية، واحتُلت القدس عام 1917. وأصبحت فلسطين تحت إدارة عسكرية بريطانية إلى أن اجتمع الحلفاء في مدينة “سان ريمو” الإيطالية، حيث جرى تقسيم المقاطعات العربية بشكل مختلف عما كان عليه الوضع قبل الحرب، وفقًا للظروف الجديدة، وأُسندت سوريا ولبنان إلى فرنسا، والعراق وفلسطين إلى بريطانيا. ومع هذا التقسيم، بدأت الأطماع الصهيونية في الازدياد، وهي أطماع تعود إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وهذا ما سنسلط عليه الضوء في المقال القادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى