ذكرى استشهاد شهيد المحراب أمير المؤمنين الإمام علي كرم الله وجهه « لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ»

ذكرى استشهاد شهيد المحراب أمير المؤمنين الإمام علي كرم الله وجهه « لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ».
الكاتب والمفكر الإسلامي
عبدالرحيم حماد أبو هارون الشريف
«أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا» هو باب مدينة العلم كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو سيدنا الحسن وسيدنا الحسين وسيدتنا زينب عليهم السلام والسيدة أم كلثوم رضي الله عنهما وارضاهما وجد السادة الأشراف
مواقف وبطولات واضاءات في حياة أسد الله الغالب ناصر دين الله:

بدأ الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه طريق البطولة مبكرًا؛ فأول ما تُحدثنا به كتب السيرة : أن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أول من شرى نفسه في سبيل الله، ووقى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ ففي ليلة الهجرة المباركة أتى جبريلُ عليه السلام رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمع على بابه المشركون لتنفيذ خطتهم المجرمة بقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: نَمْ على فراشي وتغطى ببردي الأخضر، فَنَمْ فيه، فإنَّه لن يصل إليك شيء تكرهه منهم.
وفي غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان الفارس المغوار، والبطل الكرار، الذي لا يشقُّ له غبار، شارك في معظم غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي غزوة خيبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، لَيْسَ بِفَرَّارٍ» ،فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليًّا رضوان الله عليه، وهو يشكو من عينه، فنفخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عينه فبرأت، ثم قال له: «خُذْ هَذِهِ الرَّايَةَ فَامْضِ بِهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ».

في هذا اليوم رأى المسلمون كرامةً لسيدنا عليٍ رضي الله عنه تدل على تأييد الله له وللمسلمين؛ أنه لما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح درعه من يده فخلع علي أحد أبواب الحصن فجعله درعًا له!، فلم يزل في يده وهو يقاتل، حتى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، يقول أحد الصحابة الذين كانوا معه: فلقد رأيتني في نفرٍ سبعةٍ أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه!
عاش سيدنا علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجاهدًا في سبيل الله، وبعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تولى مهام القضاء والفتوى في عهد الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين واشتهر بين الصحابة بعلمه لكتاب الله وفهمه الدقيق الثاقب، وكان مما أُثر عن سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: ” اللهم إني أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن”، يعني سيدنا علي كرم الله وجهه.
رجل يحبه الله ورسوله
وشهد الإمام علي بدراً، وكانت له اليد البيضاء فيها، بارز يومئذٍ فغلب وظهر، وفيه وفى عمه حمزة وابن عمه عبيدة بن الحارث وخصومهم الثلاثة – عتبة وشيبة والوليد بن عتبة – نزل قوله تعالى: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ } الآية [الحج: 19] .
وقال الحكم وغيره: عن مقسم، عن ابن عباس قال: « دفع النبى ﷺ الراية يوم بدر إلى علي، وهو ابن عشرين سنة »، وقال الحسن بن عرفة: حدثنى عمار بن محمد، عن سعيد بن محمد الحنظلي، عن أبى جعفر محمد بن على قال: « نادى مناد فى السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا على ».
كما شهد غزوة أحداً وكان على الميمنة ومعه الراية بعده مصعب بن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب، على القلب وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل: المقداد بن الأسود، وقد قاتل على يوم أحد قتالا شديدا، وقتل خلقا كثيرا من المشركين، وغسل عن وجه النبى ﷺ الدم الذى كان أصابه من الجراح حين شج فى وجهه وكسرت رباعتيه وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمرو بن عبدود العامري، كما قدمنا ذلك فى غزوة الخندق.
وشهد أيضا صلح الحديبية وبيعة الرضوان، وشهد خيبر، وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، منها: أن رسول الله ﷺ قال: « لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله » فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها، فدعا عليا – وكان أرمد – فدعا له، وبصق فى عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه، وقتل مرحبا اليهودي.
وذكر محمد بن إسحاق: عن عبد الله بن حسن، عن بعض أهله، عن أبى رافع: أن يهوديا ضرب عليا فطرح ترسه، فتناول بابا عند الحصن فتترس به، فلم يزل فى يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده.
قال أبو رافع: فلقد رأيتنى أنا وسبعة معى نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع.
وقال ليث: عن أبى جعفر، عن جابر: أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحملوه إلا أربعون رجلا، ومنها: أنه قتل مرحبا فارس يهود وشجعانهم، وشهد علي عمرة القضاء، وفيها قال له النبى ﷺ: “أنت مني، وأنا منك”.
كما شهد الفتح وحنينا والطائف، وقاتل فى هذه المشاهد قتالا كثيرا، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ﷺ، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له: « يا رسول الله أتخلفنى مع النساء والصبيان؟، فقال: ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبى بعدى “، ثم لما مات رسول الله ﷺ كان على من جملة من غسله وكفنه وولى دفنه كما تقدم ذلك مفصلا ولله الحمد والمنة.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ملازما للنبي عليه الصلاة والسلام ويذهب معه إلى أي مكان، حتى أنه ذهب معه إلى غار حراء للتعبد والصلاة، كما كان قبل الإسلام حنفيا، ولم يسجد لصنم أبدا طوال حياته، ولذلك يقال عن علي حين يذكر اسمه كرم الله وجهه، كما يقال إن ذلك بسبب أنه لم ينظر إلى عورة أحد أبدا.
والإمام علي بن أبي طالب هو باب مدينة العلم والعلوم ، راية المهتدين ونور المطيعين، ولي المتقين وإمام العادلين، أقدمهم إجابة وإيمانا، وأقومهم قضية وإيقانا، وأعظمهم حلما، وأوفرهم علما، قدوة المتقين، وزينة العارفين، صاحب القلب العقول واللسان السؤول والأذن الواعي والعهد الوافي ، أنه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن عم النبي (صلى الله عليه وسلم) ، أما والدته، فهي السيدة فاطمة بنت أسد بن عبد مناف بنت عم أبي طالب ، يكنى الإمام علي –رضي الله عنه- بأبي الحسن وبأبي تراب ، وهي كنية أطلقها النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما وجده راقدًا في المسجد وقد أصاب جسده التراب بعد أن سقط الرداء عنه ، فأخذ النبي يمسح التراب عنه. الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه هو ابن عم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصهره من آل بيته. رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وممن توفى ورسول الله صلى الله عليه وسلم راضٍ عنهم.
يكنى أبا تراب أيضا. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ – بَيْتَ فَاطِمَةَ ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِى الْبَيْتِ فَقَالَ «أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟». قَالَتْ : كَانَ بَيْنِى وَبَيْنَهُ شَىْءٌ ، فَغَاضَبَنِى فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِى . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ – لإِنْسَانٍ : « انْظُرْ أَيْنَ هُوَ ؟» . فَجَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ – وَهْوَ مُضْطَجِعٌ ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ – ﷺ – يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ :« قُمْ أَبَا تُرَابٍ ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ » .[صحيح البخاري]
ولد علي في 13 رجب 23 ق.هـ الموافق 17 مارس 599م. وهو أول من ولد في جوف الكعبة من الهاشميين.
وقد تكفل النبي (صلى الله عليه وسلم) بعلي بعد أن أصابت قريش في إحدى السنوات أزمة شديدة ، تضرر الناس بسببها ، وكان أبو طالب كثير الأولاد.
كان أبوه أبو طالب ممن اشتهر بالسيادة والرئاسة في قريش، فكان أحد سادتها وأبطالها وعقلائها. وقد نشأ النبي (صلى الله عليه وسلم) في بيته وكفالته بعد وفاة جده عبد المطلب . اشتهر من إخوة علي ثلاثة هم : عقيل وطالب وجعفر ، وكان علي أصغرهم ، وكان له أختان ، هما: أم هانيء ووجمانة.

باع درعه ليتزوج السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله عليهما السلام
تزوج علي بعدد من النساء أولاهن وأشهرهن وأعظمهن السيدة فاطمة ابنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأشهر أبنائه هما الإمامان الحسن والحسين ، والسيدة زينب الكبرى والسيدة أم كلثوم ، كان الإمام علي أول من أسلم من الصبيان ، وشارك في غزوات الرسول كلها، إلا غزوة تبوك ، حيث استخلفه الرسول (صلى الله عليه وسلم) على المدينة.
عن عطية حدثني أبو سعيد قال : غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وخلف عليا في أهله. فقال بعض الناس: ما منعه أن يخرج به إلا أنه كره صحبته. فبلغ ذلك عليا فذكره للنبي ﷺ فقال : أيا ابن أبي طالب أما ترضى أن تنزل مني بمنزلة هارون من موسى .
وعن عبد الله بن شريك قال سمعت عبد الله بن رقيم الكناني قال : قدمنا المدينة فلقينا سعد بن مالك فقال : خرج رسول الله ﷺ إلى تبوك وخلف عليا ، فقال له: يا رسول الله خرجت وخلفتني . فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”.
وكانت له مكانة عظيمة عند النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقد تربى في حجره، وصنع على عينيه. فكان قريبًا إلى قلبه، حائزًا عنده مقامًا رفيعًا، كما زوجه النبي أحب بناته إليه ، السيدة فاطمة الزهراء،
ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد : لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي . وقال غيره : وكان سبب ذلك بغض بني أمية له ؛فكان كل من كان عنده علم من شيء من مناقبه من الصحابة يثبته ،وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حدث بمناقبه لا يزداد إلا انتشارا، وتتبع النسائي ما خص به من دون الصحابة فجمع من ذلك شيئا كثيرا بأسانيد أكثرها جيد، روى عن النبي ﷺ كثيرا ؛وروى عنه من الصحابة : ولداه الحسن والحسين، وابن مسعود ،وأبو موسى ،وابن عباس ،وأبو رافع ،وابن عمر ،وأبو سعيد ،وصهيب ،وزيد بن أرقم ،وجرير ،وأبو أمامة ،وأبو جحيفة ،والبراء بن عازب ،وأبو الطفيل وآخرون ومن التابعين من المخضرمين أو من له رؤية .
وكان قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام، وكان أحد الشورى الذين نص عليهم عمر؛ فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها فعدل عنه إلى عثمان فقبلها فولاه وسلم علي وبايع عثمان، ولم يزل بعد النبي ﷺ متصديا لنصر العلم والفتيا،
فلما قتل عثمان بايعه الناس ؛ثم كان من قيام جماعة من الصحابة منهم طلحة والزبير وعائشة في تهدئة الناس فكان من وقعة الجمل ما اشتهر ؛ثم قام معاوية في أهل الشام وكان أميرها لعثمان ولعمر من قبله ؛ فدعا إلى الطلب بدم عثمان فكان من وقعة صفين ما كان ،وكان رأى علي أنهم يدخلون في الطاعة ؛ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعى به عنده ،ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة ، وكان من خالفه يقول له : ” تتبعهم واقتلهم” فيرى أن القصاص بغير دعوى ولا إقامة بينة ،وكان من الصحابة فريق لم يدخلوا في شيء من القتال ،وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي واتفق على ذلك أهل السنة ولله الحمد.
ومن خصائص علي قوله ﷺ يوم خيبر : ( لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه . فلما أصبح رسول الله ﷺ غدوا كلهم يرجو أن يعطاها فقال رسول الله ﷺ : أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا : هو يشتكي عينيه . فأتى به فبصق في عينيه فدعا له فبرأ فأعطاه الراية ) أخرجاه في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ،ومن حديث سلمة بن الأكوع نحوه باختصار وفيه : “يفتح الله على يديه” ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم نحوه ،وفيه قال عمر : ” ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم “.

بويع أمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه بالخلافة في 25 ذي الحجة سنة 35هـ ـ، في اليوم التالي لمقتل الخليفة “عثمان بن عفان”، وقد أجمع المسلمون من المهاجرين والأنصار على اختياره خليفة للمسلمين، لفضله ومكانته، فزان الخلافة وشرفها بفضله وقدره وعدالته . وكانت خلافته راشدة كأسلافه.
وقد رُوى أن تزويج السيدة فاطمة من الإمام علي عليهما السلام كان بأمر من الله ، حيث توالى الصحابة على سيدنا محمد عليه السلام لخطبتها إلا أنه ردهم جميعا حتى أتى الأمر بتزويج السيدة فاطمة من الإمام على عليهما السلام ، فأصدقها على درعه الحطمية .
أعماله يشهد لها التاريخ
وقد قام علي بأعمال يشهد لها التاريخ مقارنة بقِصر فترة خلافته، ومن تلك الأعمال، أن المالية العامة للدولة الاسلامية في عهده حققت الفائض المالي ، وتم توزيع الزيادة بالعدل بما يَضمن تحقيق التكافل الاجتماعي.
كما كان أمير المؤمنين عليه السلام أول من خصّص يوماً للنظر في المظالم ، وكان أول من أنشأ العسس الليلي (الشرطة) لتحقيق الأمن بين الرعية والتصدي للمخربين واللصوص .
كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فضلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه”
– ضرار بن ضمرة واصفا الإمام.
كان أسد الله الغالب ناصر دين الله ونبيه حاصد صناديل الشرك أمير المؤمنين الإمام عليه السلام رجلاً شجاعًا شهدت له الميادين بالبطولة، والتضحية والفداء ، كما كان أمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه باب مدينة العلم ووارث علم رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب علم غزير ، وفقه عميق بالقرآن والسنة بما حباه الله من اللسان السؤول ، والقلب العقول ، وكان رجلا حكيما ، وقاضيا عادلا ، بفضل دعوة النبي له ، أما في مجال الخطابة ، فقد كان خطيبا مفوها تقطر عباراته ، وكلماته بلاغة وسحرا ، وقد تحلى بكثير من الصفات الحسنة كالورع، والتقوى، والحياء، والتواضع، والفقه وغيرها الكثير.

كان لأمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه سياسته في المعارك ، ويقول “العقاد” كانت له وصاياه المحفوظة في تسيير الجيوش ، وتأديب الجند ومعاملتهم لسكان البلاد، ومنها قوله: “إذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم من قبل الإشراف وسفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كيما يكون لكم ردءًا ودونكم ردًّا، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب ؛ لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن، واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعًا، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعًا، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة — أي: محيطة بكم — ولا تذوقوا النوم إلا غرارًا أو مضمضة”.
وكان الإمام علي رضى الله عنه رجلا فوق الربعة ضخم المنكبين طويل اللحية أصلع .وكان نقش خاتم علي “الله الملك”.
وكانت آخر وقعة خاضها الإمام علي عليه السلام هي معركة النهروان، حيث جابه فيها مجموعة من أنصاره الذين فرضوا التحكيم عليه في حرب صفين آنفاً، لكنهم ندموا بعدة أيام ، فنكثوا عهدهم وخرجوا من بيعة الإمام، وقد عُرفوا هؤلاء فيما بعد باسم الخوارج أو المارقين، فانتصر عليهم الإمامعليه السلام، وكان يتهيأ لقتال المتمردين في الشام – بعد أن فشل التحكيم عند اللقاء بين الحَكَمَين – بيد أنه في صبيحة اليوم التاسع عشر من رمضان سنة أربعين للهجرة عند صلاة الفجر، قام عبد الرحمن بن ملجم المرادي – وهو من الخوارج – بشجّ الإمام في مسجد الكوفة، وذلك بعد حوالي خمسة أعوام من الحُكم.
لقد قرر عبد الرحمن بن ملجم من تلقاء نفسه قتل سيدنا عليّ -رضي الله تعالى عنه- نتيجة هذا البغض الشديد الذي يحمله للإمام، ونتيجة هذا الحب الذي أحبه ابن ملجم لفتاة من تيم الرباب كانت تُسَمى “قطام”، كانت فاتنة الجمال وأغرم بها ابن ملجم؛ ولقد قتل سيدنا عليّ -رضي الله تعالى عنه- أباها وأخاها يوم النهروان، فاتفقت مع ابن ملجم على الزواج شريطة أن يقتل هو علي بن أبي طالب.
وقال محمد بن سعد: لقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي، فأعلمه بما عزم عليه من قتل علي، فوافقه، قال: وجلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي. قال الحسن: وأتيته سحرا فجلست إليه، فقال: إني ملكتني عيناي وأنا جالس، فسنح لي النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ ! فقال: “ادع عليهم”. فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني. قال: وخرج وأنا خلفه، وابن النباح بن يديه، فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، وكذلك كان يصنع في كل يوم، ومعه درته يوقظ الناس، فاعترضه الرجلان، فضربه ابن ملجم على دماغه وهو يصلي الفجر، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمع الناس عليا يقول : لا يفوتنكم الرجل. فشد الناس عليهما من كل ناحية ، فهرب شبيب ، وأخذ عبد الرحمن ، وكان سم سيفه.
ومكث الإمام علي يوم الجمعة والسبت ، وتوفي ليلة الأحد21 رمضان . وغسله الإمامان الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما وارضاهما وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص .
وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر، لأنه بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ،وكانت وقعة الجمل في جمادى سنة ست وثلاثين، ووقعة صفين في سنة سبع وثلاثين ،ووقعة النهروان مع الخوارج في سنة ثمان وثلاثين ،

أخفى أهل البيت سلام الله عليهم قبر أمير المؤمنين طوال عهد الدولة الأموية خوفا أن تنتهك حرمته من قبل أعداءه الذين استمرّوا يسبّونه على المنابر ثمانين عاماً ومعهم الخوارج وإنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يخشى أن يقدم هؤلاء على نبش قبره فتثور بني هاشم لذلك فيتسنى للأمويين عذر في استئصالهم فهم كانوا يلتمسون الذرائع لقتلهم لذلك أخذ أهل البيت عليها السلام يتعاهدون على إخفاء قبره عن العامة، عملاً بما أوصى به جدهم أمير المؤمنين عليه السلام.
عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام أمر ابنه الحسن أن يحفر له أربعة قبور في أربعة مواقع، في المسجد وفي الغري وفي دار جعدة بي هبيرة المخزومي وفي الرحبة، وإنما أراد بهذا أن لا يعلم أحد من أعداءه موضع قبره.
أما إظهار القبر للعامة من المسلمين فكان في أيام داود العباسي المتوفي سنة 133 هـ حيث أصلحه وعمل عليه صندوقا وسكن بعض العلوية النجف حتى القرن الرابع الهجري، وإذ بالنجف من السادة العلوية ألف وثلاثمائة، عدا غيرهم من الموالين.
ويلحق الإمامُ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بسائر الخلفاء الراشدين المهديين في جنات النعيم مع سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وآله وسلم، ويتردَّدُ في أسماع المؤمنين حديثُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخاطب سيدنا علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قائلًا: «لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ».
وصية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.

أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا فإنّي سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: “إنّ صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام” انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوا ليهوِّن الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام فلا تعفو أفواهم ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنّهم وصية نبيكم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنّه سيورثهم.
والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنّها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فإنّ صيامه جنة من النار.
والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة فإنّها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم.
والله الله في أصحاب نبيكم فإنّ رسول الله ﷺ أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم فإنّ آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: « أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم».
الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله.
ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فيولى الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الآثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله، ثم لم ينطق سيدنا علي بن أبي طالب إلا بلا إله إلا الله حتى مات.
الكاتب والمفكر الإسلامي
عبدالرحيم حماد أبو هارون الشريف
خادم الأعتاب الشريفة لآل البيت الكرام عليهما السلام
إبن أمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه والسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما السلام وابن الإمام الصوفي العارف بالله الشيخ محمد بن هارون والسلطان محمد شمس الدين ابوهارون الشريف الإدريسي الحسني العلوي الهاشمي القرشي




