أخبار

صلح الحديبية في ملتقى الأزهر: دروس في السلم والقيادة النبوية

كتب :مصطفى على

الجامع الأزهر يفتح بوابة التاريخ على مصراعيها، ليستعرض أمام الحضور واحدة من أعظم محطات السيرة النبوية الشريفة وأكثرها دقة في تجسيد فقه السياسة الشرعية، وذلك من خلال ملتقاه الأسبوعي تحت عنوان: “صلح الحديبية: رؤية إسلامية”، بحضور كبار علماء الأزهر، وفي مقدمتهم:

الأستاذ الدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين الأسبق

الأستاذ الدكتور نادي عبد الله محمد، أستاذ الحديث وعلومه

الشيخ إبراهيم حلس، مدير إدارة الشؤون الدينية بالجامع الأزهر، والذي تولى إدارة اللقاء

عبد الفتاح العواري: النبي خرج بلا سلاح ليعلن أن الإسلام دين السلام لا الغلبة

افتتح الدكتور عبد الفتاح العواري كلمته بتأكيده على أن صلح الحديبية لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل تطور مفصلي في مسيرة الدولة الإسلامية، التي ترسّخت أركانها في المدينة المنورة، وبدأت تتجه نحو توسيع رسالتها العالمية.

وأوضح أن النبي ﷺ خرج للعمرة لا للقتال، ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة، دون عُدة أو سلاح، وهو ما وصفه بأنه إعلان سلمي عملي أمام قريش، حيث ساق النبي الهدي أمامه، كرمز ديني للسلام، وليس إعلانًا لحرب أو تحدٍّ.

وفي هذا السياق، أشار العواري إلى أن النبي حين مُنِع من دخول مكة، رفض اقتحامها رغم استطاعته، واختار طريقًا وعرًا نحو الحديبية، مؤثرًا الصلح على الصدام، والوصال على القطيعة، وهو ما يعكس أخلاقيات القيادة النبوية في أبهى صورها.

دروس في السياسة الشرعية: قبول الشروط المجحفة من أجل المصلحة العليا

وحين تحدث الدكتور العواري عن مفاوضات صلح الحديبية، وصف إقدام النبي ﷺ على قبول الشروط رغم ما فيها من ظلم ظاهر بأنه درس نادر في فقه القيادة والسياسة الشرعية، وبيان لحكمة النبي التي ترجّح المصالح الكبرى للأمة، وتُقدّم صون الدماء على المكاسب الآنية.

وأضاف:

“كان رسول الله ينظر أبعد من بنود الصلح، ويرى ما وراء السطور؛ لأنه قائد رباني يُلهمه ربه، ويهتدي بهدي الوحي”،

مؤكدًا أن الإسلام دين وفاء واحترام للعهود، حتى مع الخصوم، وهو ما افتقده مشركو قريش الذين نقضوا الصلح لاحقًا، فكانت نهاية الحديبية بداية فتح مكة.

نادي عبد الله: عمر بن الخطاب غضب ولكن بصيرة النبي كانت أعمق

من جهته، تناول الدكتور نادي عبد الله الأبعاد النفسية والروحية لهذا الصلح، مشيرًا إلى ردود فعل بعض الصحابة على الشروط التي بدت لهم جائرة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، الذي اعترض على الاتفاق، وأبدى انزعاجه مما رآه “تنازلاً كبيرًا”.

ولكن، وكما روى فضيلته، كان رد النبي ﷺ حاسمًا مطمئنًا حين قال لعمر:

“إني رسول الله، ولن يضيّعني الله”

وهو ما وصفه الدكتور نادي بأنه درس خالد في الثبات والإيمان، وبُعد نظر القيادة النبوية، التي كانت ترى بنور الوحي، في وقتٍ تعج فيه العواطف بالغضب والرفض.

واستشهد الدكتور نادي أيضًا بموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي قال عبارته الشهيرة:

“الزم غرْز نبيك”

ليُعلّمنا أن الثقة في القيادة النبوية هي ركيزة النجاح، وأن التنوع في طبائع الصحابة من عمر الشديد إلى أبي بكر الحكيم، هو انعكاس طبيعي لحيوية الأمة وتفاعلها مع لحظات المصير.

إبراهيم حلس: صلح الحديبية وعدٌ بالفتح ومقدمة للتمكين

في ختام الملتقى، قدّم الشيخ إبراهيم حلس قراءة روحية للنص القرآني المرتبط بصلح الحديبية، مستشهدًا بقوله تعالى:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، ثم: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾، ثم: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾

وأوضح أن هذا الترتيب القرآني البديع يحمل معاني عميقة؛ فالرِّضا الإلهي تلاه سكينة ربانية، ثم جاء الفتح المنتظر، ليؤكد أن التمكين لا يأتي إلا عبر الصبر والوفاء بالعهود.

وأشار حلس إلى أن النبي ﷺ قدَّم صلة الرحم على الانتصار، والرحمة على الغضب، فكان بهذا الموقف فاتحًا لمكة لا بحد السيف، بل بأخلاق السلام النبوي، ورؤية تربوية تلهم المسلمين إلى يوم الدين.

صلح الحديبية.. بين واقع السياسة وإشراقات الإيمان

جاء ملتقى الجامع الأزهر هذه المرة ليمثل نموذجًا للقراءة المعمّقة في نصوص السيرة النبوية، مسلطًا الضوء على صلح الحديبية باعتباره علامة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، ومشهدًا تتجلى فيه أخلاق النبوة، وفهم السنن الإلهية، وفنّ إدارة الأزمات.

فقد قَبِل النبي بما رفضه البعض، ورأى الفتح في لحظة الانكسار، وجعل من الهدنة تمهيدًا للانتصار. واليوم، وبين أزمات الأمة المتراكمة، تعود هذه الذكرى لتعلّمنا أن الرهان الحقيقي ليس في الشروط، بل في نبل الغاية، وصفاء النية، والثقة بالله وبقيادته.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى