الإفتاء تحدد موقف الشرع من تحديد جنس الجنين

تقرير:مصطفى علي
في قضية شغلت كثيرين على الصعيد الشخصي والطبيعي، عادت دار الإفتاء المصرية لتوضيح موقف الشريعة من مسألة تحديد جنس الجنين، في ضوء تطور التقنيات الطبية الحديثة وقدرتها على التدخل في تكوين الحياة البشرية.
السؤال الذي تلقته دار الإفتاء كان واضحًا: “ما حكم التدخل الطبي في تحديد نوع الجنين؟ إذ لدي ثلاث بنات، وأرغب في إنجاب طفل رابع، فهل يجوز التدخل الطبي لتحديد جنس الجنين؟”
الإفتاء: التحديد مسموح شرعًا على المستوى الفردي
أوضح الشيخ علي فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن تحديد جنس الجنين جائز شرعًا إذا كان التدخل على المستوى الفردي، مؤكدًا أن الشرع لم يضع حظرًا على هذا التصرف الشخصي، بشرط أن تكون التقنيات المستخدمة آمنة للمولود ولا تؤثر على حياته المستقبلية. وأوضح أن الحكم يختلف حسب تعلقه بالفرد أو بالأمة، وأن هذا التفريق مشهور في كتب الفقه، حيث قد يُلزم المجتمع بعمل ما لا يُلزم به الفرد على المستوى الشخصي، مثل أداء بعض الشعائر الجماعية.
وقال فخر: “يمكن للإنسان اختيار أسلوب التلقيح المجهري أو تعديل الكروموسومات لتحقيق هدف محدد، أو حتى أساليب تقليدية مثل توقيت الجماع أو التغذية، شريطة ألا يضر ذلك بالمولود.” وأضاف: “ليس مقبولًا أن يكون الإنسان مجرد مادة للتجارب أو هدفًا للتلاعب العلمي.”
التوازن الطبيعي بين الذكر والأنثى: حكمة الخلق الإلهي
تعمق الشيخ فخر في توضيح الحكمة من تنوع الجنسين، مؤكدًا أن الله خلق الإنسان بشكل متوازن بين الذكر والأنثى، لكل منهما خصائص ووظائف محددة تضمن استمرار الحياة الإنسانية. واستشهد بالعديد من الآيات القرآنية التي تؤكد هذا التوازن:
قوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً…» [النساء:1].
قوله تعالى: «وأن خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى» [النجم:45-46].
قوله تعالى: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون» [الذاريات:49].
وأضاف أن التنوع بين الذكر والأنثى ليس مجرد صدفة، بل جزء من حكمة الله في خلق الإنسان وتنظيم المجتمع البشري، حيث قال تعالى: «لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهَب لمن يشاء إناثًا ويهَب لمن يشاء الذكور…» [الشورى:49-50].
المستوى الفردي مقابل المستوى الجماعي: معيار الشرعية
أكد فخر أن معالجة مسألة تحديد جنس الجنين يجب أن تؤخذ على مستويين:
1. المستوى الفردي: الحرية في الاختيار وفق الضوابط
على المستوى الشخصي، الإنسان له الحرية في الزواج والإنجاب وتنظيم النسل حسب ظروفه، مع جواز استخدام الأساليب الطبية المشروعة لزيادة احتمالية تحديد الجنس، طالما لم يكن هناك ضرر على الطفل كما أن الاختيار الشخصي لا يخل بالتوازن الطبيعي للمجتمع، طالما بقي ضمن نطاق الأسرة الفردية.
2. المستوى الجماعي: خطورة التدخل على التوازن الاجتماعي والطبيعي
أما على مستوى الأمة أو المجتمع ككل، فإن التدخل في تحديد جنس الجنين قد يهدد التوازن الطبيعي بين الذكور والإناث، وهو عامل مهم لاستمرار البشرية واستقرارها الاجتماعي وعليه، يصبح الأمر نوعًا من الاعتراض على حكمة الله في خلقه، ومحاولة لتغيير النظام الذي أوجده الإله.
وأشار فخر إلى أن هذا يوضح الفرق بين التدخل الفردي المشروع، والتدخل الذي قد يؤدي إلى خلخلة التوازن الاجتماعي أو التأثير على نسب الجنسين على نطاق واسع، وهو ما يرفضه الشرع.



