تقارير-و-تحقيقات

كيف تكون مربيًا حازمًا دون قسوة؟.. منهج نبوي يوازن بين الحب والانضباط

تقرير: مصطفى على

في زمن تتسارع فيه المتغيرات الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية، تبقى التربية واحدة من أعظم التحديات التي تواجه الأسر، فهي ليست مجرد تلقينٍ للأوامر والنواهي، بل هي بناء متكامل للإنسان منذ نعومة أظفاره.
وقد أكدت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصاتها الرسمية أن الأولاد نعمة واختبار في آنٍ واحد، يحتاجون إلى مربي واعٍ، يجمع بين الحزم في توجيههم، والرحمة في احتوائهم.

في هذا التقرير نستعرض رؤية شرعية وتربوية شاملة لماهية التربية الحازمة، وفق هدي النبي ﷺ، ونوضح كيف يمكن للمربي أن يضبط ميزان التربية بين الحب والصرامة، دون أن يقع في فخ القسوة أو التهاون.

أولادنا.. بين نعمة واختبار

قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وفي موضع آخر قال: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن: 15]، ومن هذا المنطلق، ترى وزارة الأوقاف أن الأولاد ليسوا فقط من متاع الدنيا وبهجتها، بل ابتلاء في مدى قدرتنا على تنشئتهم تنشئة سوية.

ويُحمّل الإسلام الآباء والمربين مسؤولية عظيمة عن الأبناء، كما قال النبي ﷺ: “والرجلُ في أهله راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأةُ في بيت زوجها راعيةٌ وهي مسؤولةٌ عن رعيتها” [متفق عليه]، محذرًا من التفريط في هذه الأمانة التي تعد معصية لها آثار وخيمة في الدنيا والآخرة.

التأسيس يبدأ من اللين.. لا من القسوة

أكدت الوزارة أن مراحل التربية لا تتناسب مع العنف أو الشدة، فالنبي ﷺ لم يكن قاسيًا في تربيته، بل اتسم بالرفق واللين، وقال: “إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَهُ” [أخرجه مسلم]، كما قال: “يا عائشةُ، ارْفُقي؛ فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بَيتٍ خَيرًا، أدخَلَ عليهم الرِّفْقَ”.

وشددت على أن العنف بجميع أنواعه، لا سيما العنف النفسي أو الجسدي، يؤدي إلى خلق أطفال مشوهين نفسيًّا، يفتقرون إلى الثقة بالنفس، وغير قادرين على التفاعل المجتمعي البنّاء.

هدي النبي ﷺ في تربية الأطفال: حب واحتواء وتوجيه

من أبرز معالم التربية النبوية، أن رسول الله ﷺ كان يمازح الأطفال، ويقبلهم، ويحتويهم، ويوجههم بحكمة فقد قال: “يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعْطِي علَى الرِّفْقِ ما لا يُعْطِي علَى العُنْفِ”.

وكان صلى الله عليه وسلم يحتضن الحسن والحسين ويقبلهما، ويقول: “من لا يَرحم لا يُرحم”، مشددًا على أن الرحمة ليست ترفًا في التربية، بل أساس من أسس بناء الشخصية السوية.

لكل طفل بصمته.. مراعاة الفروق الفردية ضرورة تربوية

حذّرت الوزارة من خطأ تربوي شائع، يتمثل في التعامل مع جميع الأطفال بنفس الطريقة، معتبرة أن هذا إهمال للفروق الفردية التي خلقها الله بينهم.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: “كلٌّ ميسر لما خُلق له” [رواه مسلم]، ما يعني أن كل طفل يحمل طاقة فريدة، وقدرة مميزة، ويحتاج إلى فهم خاص، ومقاربة تربوية تتماشى مع طبيعته.

الرفق في المعاملة وبث الأمل.. طريق بناء شخصية واثقة

أشارت وزارة الأوقاف إلى أن تعزيز الثقة بالنفس لدى الطفل يبدأ بكلمة طيبة ومدحٍ مناسب عند الاجتهاد، وقالت: إن تربية الرجاء في نفس الطفل، وربطه بالتطور والتقدم، هو حجر أساس في التربية السليمة.

وقد قال النبي ﷺ: “ليسَ منَّا من لَم يَرحَمْ صغيرَنا” [رواه أحمد]، داعيًا إلى احتضان الطفل لا تحطيمه، وإلى التشجيع لا التثبيط.

احذروا من أدوات العقاب المدمرة نفسيًا

أكدت الوزارة أن العقوبات القاسية مثل الضرب، أو الصراخ، أو الإذلال أمام الآخرين، ليست مجرد وسائل خاطئة، بل هي محرمة شرعًا، لما تتركه من آثار نفسية عميقة.

هذه الأساليب قد تصنع أطفالًا مضطربين، ناقمين، متمردين، عاجزين عن مواجهة المجتمع أو تكوين علاقات سوية كما دعت المربين إلى البحث عن جذور السلوك الخاطئ قبل معاقبة الطفل، فقد تكون المشكلة في ضعف الفهم أو صعوبات نفسية أو فقدان للحافز.

كيف تكون مربيًا حازمًا بلا قسوة؟.. 7 وصايا عملية

1. افصل بين الطفل وخطئه
لا تهاجم شخصية الطفل، بل الفعل فقط. قل “هذا الفعل خاطئ” ولا تقل “أنت سيئ”.

2. كن واضحًا في القواعد
حدد ما هو مسموح وما هو مرفوض بعبارات بسيطة مناسبة لعمر الطفل.

3. اثبت على موقفك
لا تتراجع أو تتردد في تصحيح الخطأ، فالاضطراب في ردة الفعل يهدم السلطة التربوية.

4. اختر العقاب التربوي المناسب
اجعل العقاب أداة تعليم، كحرمان مؤقت من لعبة مفضلة أو تحميل الطفل نتيجة فعله.

5. اربط الحزم بالحب
وضّح للطفل أن تصحيح الخطأ بدافع الحب لا الكراهية، وأنك تسعى إلى الأفضل له.

6. تجنب العقاب وأنت غاضب
خذ وقتًا لتستعيد هدوءك قبل اتخاذ أي قرار، فالغضب يفسد العدل.

7. ناقش بعد العقاب
تحدث مع الطفل بعد أن تهدأ الأجواء، اسأله عن دوافعه، ووضح له السلوك الصحيح.

دعاء ختامي.. أمل في صلاح الأبناء

واختتمت وزارة الأوقاف منشورها بالدعاء:
“نسأل الله أن يربي لنا أولادنا، وأن يجعلهم قرة عين لنا، وأن يرزقنا برَّهم، وأن يجعلهم صالحين بارين نافعين لدينهم ومجتمعهم وأمتهم.

تربية برحمة.. وحزم بمحبة

إن التربية الحازمة ليست هي تلك التي تصرخ وتضرب وتعاقب، بل التي توجه وتضبط وتقوّم، دون أن تُهين أو تُدمّر هي تربية تسير على خطى النبوة: تزرع الحب، وتغلفه بالحزم، وتستند إلى الفهم لا الغضب فالمربي الناجح هو الذي يصنع من الطفل شخصًا واثقًا، رحيمًا، قويًّا، مسؤولًا، وهذا هو غرس اليوم الذي نحصد ثماره غدًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى