الرئيسيةعرب-وعالم

مروان البرغوثي 1 … رمزًا للصمود الوطني أم أيقونة للبراجماتية السياسية

تقرير: مروة محي الدين

“مروان البرغوثي”… قائد فلسطيني برز اسمه بقوة، مع تنامي الحديث عن صفقات تبادل الأسرى، لإنهاء الحرب في غزة، وبينما أصرت المقاومة على إخراجه ضمن الصفقات، صمم الاحتلال على رفض الطلب، وترددت الشائعات عن تأييد السلطة الفلسطينية ورئيسها لقرار الاحتلال.

وفيما خرجت آخر دفعة من الأسرى، دون أن يكون من بينهما “البرغوثي”، على الرغم من الأنباء المتداولة عن تزايد الانتهاكات ضده، التي وصلت إلى ضربه بعنف، حتى كسروا ثلاثة من أضلاعه، فانطفأت الآمال المعقودة على احتمالات خروجه، خرج الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بتصريح، أكد فيه إمكانية تدخله للإفراج الفوري عنه، لتتحرك الزوجة “فدوى البرغوثي” عقب هذا التصريح، مناشدة إياه بالإسراع في إطلاق سراحه.

وقد علق الدكتور “ربحي حلوم”- سفير فلسطين الأسبق في تركيا، وعضو المجلس الثوري لحركة فتح- على ما يحدث بشأنه في حديث خاص لموقع اليوم، فقال: “البرغوثي يستحق أن يتولى المسؤولية، وهو على قدر المسؤولية، أما عن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عنه، فهو يطمح من ذلك إلى قفزة يعزز بها موقفه الدولي، ومن هنا سيصر على إخراجه، وربما يكون هناك توافق بين مختلف الأطراف المعنية، على أن يتولى البرغوثي موقع ما في مستقبل القضية الفلسطينية، ومستقبل الصراع الحالي بيننا وبين الاحتلال المجرم، وعليه سيعود المناضل للواجهة عما قريب”.

القيادي المعتدل

وُلد “البرغوثي” عام 1959 في قرية كوبر قرب رام الله، في عائلة فلسطينية عريقة، وتخرج في جامعة بيرزيت، بعد أن شهدت الجامعة أولى خطواته في مواجهة الاحتلال، التي تسببت في اعتقاله مرتين في سن 18 عام، وما لبث الاحتلال أن اعتقله مرة ثالثة بسبب نشاطه المناهض له، في بداية ثمانينيات القرن الماضي، ولم يكد يفرج عنه حتى اعتقله وأبعده إلى الأردن، ولم يعد إلا بعد أوسلو.

وبدأ نشاطه التنظيمي مع حركة فتح، وأضحى من أعضائها البارزين، وكان من أبرز المنسقين للحراك الشعبي واللجان الميدانية، وكذلك توجيه المقاومة وتنظيم الاحتجاجات، إبان الانتفاضة الأولى عام 1987، وتم القبض عليه للمرة الخامسة عام 2002، عقب اندلاع الانتفاضة الثانية، وحكم عليه بالسجن المؤبد 5 مرات، ولم يخرج من السجن حتى الآن، وبسبب استمراره في النضال والمقاومة من داخل السجن، يمارس المحتل ضد أبشع الانتهاكات.

ووصف “ماجد إسماعيل محمد المصري”- الأسير المحرر ضمن الدفعة الأخيرة من صفقة طوفان الأحرار- رحلة كفاح الرجل، في حديث خاص لموقع اليوم، فقال: “مروان أخي الكبير وقائدي ومعلمي، أعرفه منذ 35 عامًا تقريبًا، عشت معاه الإبعاد إلى الأردن، إبان انتفاضة الحجارة، وعملت معه في مكتبه، واشتركنا معًا في الانتفاضة الثانية، وفي السجن هو من علمني البكالوريوس والماجستير، هو أب حنون رائع بمعنى الكلمة، كان يدافع عن المرأة في كل المحافل، وهو المعلم الذي علم كل الأسرى الفلسطينيين معنى الحرية، ومعنى الإرادة ومعنى أنه نقول كلمة الحق ولو كان الثمن قطع رؤوسنا”.

كما لفت “حلوم”: إلى أن “المناضل مروان البرغوثي: هو مناضل وقائد تاريخي، يصر الاحتلال على زجره وتعذيبه، ومؤخرًا كسروا ثلاثة من أضلاعه، بسبب شدة تعذيبهم له، ما يؤكد أنهم هم يريدون تصفيته، لكنه صامد بإذن الله، وهو مثال حي لصمود كل أبناء المقاومة، وكل قادتها وكوادرها”.

وبسبب أفكاره التي توفق بين العمل السياسي والمقاوم، كان الخلاف بين أنصاره ومعارضيه، حول وطنيته وثباته على المبدأ، ومستوى توافقه مع الاحتلال.

نفعية أم واقعية

على طول تاريخه النضالي، واجه “البرغوثي” انتقادات واسعة، بسبب بعص مواقفه التي وصفها هو ومؤيديه بالواقعية، بينما وصفها معارضيه بالنفعية- البراجماتية؛ وهو ما رد عليه بأن الواقعية السياسية سمة الذكاء النضالي، وليست نقيضًا للنضال، وعلى حسب مقتضيات المرحلة تكون المقاومة سواء عسكرية أو سلمية، وصولا إلى كامل التحرير، أي أن الهدف ثابت، لكن الوسائل مرنة.

وعلى هذا الأساس، أعلن المناضل- الموصوف “بالمقاوم العاقل”- إيمانه بحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، عاصمتها القدس الشرقية، وقبوله لوجود دولة إسرائيلية إلى جانب الدولة الفلسطينية، متى انسحب الاحتلال من الأراضي المحتلة إبان النكسة، وأن ذلك هو السبيل الوحيد للسلام العادل؛ وقد نظرت فصائل المقاومة لذلك الموقف، باعتباره تنازل للاحتلال وتساهل معه؛ ليرد هو على ذلك الاتهام بأن قبول هذا الحل، خياراً إستراتيجيًا بقبول خارطة طريق واقعية، لتخفيف المعاناة وبدء التحرر.

كان “المصري” ضمن من يرون خطوات رفيق الأسر والنضال، سعيًا لاسترداد كامل الحق الفلسطيني، فقال: “مروان المناضل الذي كان معنا في ساحة الميدان، لا يجري وراء المناصب، إذ لم يكن يبحث عنها، بل كان يبحث عن حق للشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية، وعودته لوطنه بعد إقامة دولته، لذا يستحق وأهله منا كل احترام وتقدير، وهذه رسالتي له”.

المقاومة السلمية والحوار

دعى “البرغوثي” إلى مقاومة سلمية شعبية منظمة، بدلًا الاعتماد على العمليات المسلحة، عقب اعتقاله والخسائر التي لحقت بالمقاومة في الانتفاضة الثانية؛ وهو ما أجج المواقف ضده، التي اعتبرته تراجع عن نهجه النضالي الأول، الذي كان يؤمن بالمواجهة المسلحة، وتقديم نفسه خيارًا دوليًا مقبولًا، وعضد تلك الرؤية خطابه الهادئ، الذي جاء في كتاباته في الصحف الغربية، مستخدمًا لغة قانونية وسياسية بدلًا من الشعارات الثورية، حتى وجد من يفسر ذلك بأنه تضحية بالخطاب الثوري، لكسب تعاطف النخب الغربية.

وقد رد “البرغوثي” على تلك الاتهامات، بأن المقاومة السلمية والمسلحة وجهين لعملة واحدة، يكمل كل منهما الآخر في طريق النضال، بهدف توحيد الجبهة الفلسطينية، وكسب الدعم الدولي؛ وفي السياق ذاته، لم يكن ضد التفاوض والحوار المشروط مع الاحتلال، ضمن إستراتيجية سياسية شاملة، فاعتبرته كثير من الأصوات الفلسطينية، خدمة لرواية الاحتلال عن الشركاء في السلام.

الوحدة الفلسطينية

أعلى البرغوثي من أهمية الوحدة الفلسطينية لضرورة المصالحة بين فصائل المقاومة- فتح وحماس، لاسيما في فترة اعتقاله، وصولًا للوحدة الفلسطينية، التي يراها الحل الحقيقي للصراع، وقال: “الوطن لا يُبنى بالانقسام، ولا تُحرّر الأرض بأكثر من علم”، حيث الانقسام الداخلي أشد خطراً على القضية من التحديات الخارجية، حتى يتسنى جمع النضال الشعبي بالعمل السياسي، في برنامج مقاومة متوازن، تحت قيادة وطنية موحدة، تضمن استمرار الضغط على الاحتلال؛ ليتهمه بعض المتشددين في حركة فتح بالتنازل لحماس، فيما اتهمته عناصر في حماس بأنه لا يسعى لشراكة حقيقية، إنما يحاول استيعابهم داخل مشروع فتح.

وهكذا بقي “البرغوثي” صورة أيقونية، يختلف المحللون عليها وفهم دلالاتها، لكنهم لا يختلفون على قيمتها، إذ أنه الرمز القادرعلى فرض نفسه على الساحة، محاربًا سنة النسيان؛ ومع ذلك تبقى شعبيته مثار جدل، بين تأرجح بسبب المواقف، وثبات تعززه خبرات الشراكة النضالية، نطرحها معكم في الحلقة القادمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى