محمد كامل العيادي يكتب: “ميشال كوكا” يُشْعِل ذكرى “لومومبا”

في مباراة جمعت الكونغو والجزائر، وقف مشجع كونغولي شامخًا، رافعًا يده اليمنى بثبات، لدرجة أنه بدا كتمثال، لكن هذا المشجع، تحرك وانهار باكيًا، عندما شاهد اللاعب الجزائري “بولبينة” يسخر منه، وكانت وقفة هذا المشجع أعمق بكثير مما توقعه البعض، بل وتجاوز توقعات اللاعب الساخر نفسه؛ فالحرية لا يرفع رايتها إلا الأحرار، ومعاني مواقفهم لا يدركها، إلا أصحاب الفكر التقدمي، ولا تسمع أصواتهم إلا آذان تعشق الحق، ومن بين هؤلاء الأحرار “باتريس لومومبا”، الذي دافع بشدة عن بلاده ووقف ببسالة ضد الاستعمار البلجيكي، ليصبح رمزًا للحرية في إفريقيا.
لقد استمر احتلال بلجيكا، للكونغو من عام 1908م، وحتى عام 1960م، وذلك بعد الاعتراف الذي جاء في مؤتمر برلين عام 1885م، حيث أقر المؤتمر نصيب بلجيكا من “كعكة” إفريقيا، وهي الكونغو التي أُطلق عليها اسم “الكونغو الحرة”، وتحت ستار الحرية الزائفة، استباحت بلجيكا موارد الكونغو الطبيعية الثمينة من الذهب، والألماس، واليورانيوم، وغيرها من المواد الخام، وحولتها لصالح اقتصادها، مما أدى إلى طفرة اقتصادية هائلة، وثراء كبير في بلجيكا، بينما تسبب في فقر مدقع في الكونغو الغنية بمواردها الطبيعية.
وقد قام الملك البلجيكي “ليوبولد الثاني” بابتكار خطة شيطانية تحت مسميات “الحرية”، و”التطوير” وذلك لغزو الصناعة في الكونغو، فأنشأ “الجمعية الإفريقية العالمية” ولجنة تحت مسمى “لجنة دراسة الكونغو العليا”، بالإضافة إلى “الرابطة الدولية داخل الكونغو”، من خلال هذه الكيانات، تم جذب رؤوس الأموال، والتبرعات التي استخدمت لصالح بلجيكا وليس لصالح تطوير الكونغو، حيث تعرض أهلها للاستعباد وقُتل الملايين منهم على مدى أكثر من 20 عامًا.
واستغلت بلجيكا العاج والمطاط، لصالح مصانع السيارات الأوروبية، ولم تكتفِ بذلك، بل استعبدت الكونغوليين للعمل في استخراج المطاط، من خلال فرض ضرائب باهظة أثقلت كاهلهم، مما اضطرهم إلى العمل بالسخرة، لسداد ديونهم، ولأن السقوط غالبًا يكون نتيجة خيانة داخلية، قام بعض المرتزقة الكونغوليين بخيانة دولتهم، وعملوا تحت إمرة القادة البلجيكيين، لممارسة الترهيب، وإجبار السكان على العمل لدى المستعمر، وبلغ هذا التعسف حد الضرب، والحرمان من الطعام، رغم ساعات العمل الطويلة، مما أدى إلى تفشي الأمراض ووفاة ما يزيد على 12 مليون فرد، ناهيك عن أن الكثيرين ممن بقوا على قيد الحياة فقدوا أيديهم، حتى أُطلِق على المنطقة اسم “أرض الأيادي المقطوعة”.
وفي عام 1958، أسس “لومومبا” الحركة الوطنية الكونغولية، وبدأ يطالب باستقلال الكونغو خلال مؤتمر الشعوب الأفريقية في “أكرا”، كما نادى بالوحدة الأفريقية باعتبارها السبيل لتحرير القارة من الاستعمار، وآثار التخلف الذي يتركه، ولكنه أُلقي القبض عليه في أواخر عام 1959 وحُكم عليه بالسجن، مما أدى إلى اندلاع تظاهرات كبيرة طالبت بالإفراج عنه، بدعم من المستقلين الكونغوليين، وأُطلق سراحه في نهاية كانون الثاني 1960، وفي شهر حزيران من العام ذاته، تم الاتفاق على الاستقلال، وانتُخب “لومومبا” رئيسًا للحكومة الكونغولية.
وفي 2 أيلول 1960، دعا “لومومبا” الأفارقة جميعًا إلى الاتحاد ضد الإمبريالية، وطلب المساعدة من الاتحاد السوفيتي لفصل إقليم “كاتانغا”، الأمر الذي أثار حفيظة الولايات المتحدة التي قررت التخلص منه، وبالفعل، في 4 أيلول 1960، أُجبر الرئيس الكونغولي “جوزيف كاسا فوبو” على عزل حكومة “لومومبا” ووضع الأخير تحت الإقامة الجبرية، وبعد تضامن من الوطنيين، تمكن “لومومبا” من الهرب، لكنه أُلقي القبض عليه مجددًا في 17 كانون الثاني 1961م، وأُعدم، ليأتي البطل الحر “كوكا” ليُحيي ذكراه من خلال مباراة كرة قدم، ويُعلِم العالم أن الأحرار يظلون أحياء وإن ماتوا، وأن كرة القدم لا تلهي الأحرار، بل هي شعلة تنير الدروب المظلمة، وتكشف من خلالها الأسرار.




