أزمة محو المعلومات الجنائية.. هل تستجيب الحكومة لطلب تقنين المعلومات الجنائية بالحاسب الآلي؟

بين طيات الشكاوى والنداءات المتكررة، يعاني عدد كبير من المواطنين من أزمة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها عواقب جسيمة على حياتهم اليومية، وهي مشكلة محو المعلومات الجنائية المسجلة على الحاسب الآلي بوزارة الداخلية.
تلك المعلومات، التي قد تكون عبارة عن قضايا انتهت أحكامها، أو تم التنازل عنها، أو حتى أخطاء في تسجيل البيانات، لا تزال حبيسة قواعد البيانات الإلكترونية، ما يجعل المواطنين يواجهون عراقيل غير متوقعة في حياتهم المهنية والاجتماعية.
حكايات من أرض الواقع
علي اسم مستعار لشاب في الثلاثينيات، فوجئ برفض طلبه للعمل في إحدى الشركات الكبرى بسبب ظهور قيد جنائي على سجله، رغم انتهاء قضيته منذ سنوات وإثبات براءته.
يقول علي س
: “حياتي توقفت بسبب خطأ إداري أو عدم تحديث البيانات، وكلما حاولت حل المشكلة، وجدت نفسي في دوامة بيروقراطية لا تنتهي،”ولم تكن قصة علي الوحيدة؛ فمئات المواطنين يعانون من المشكلة ذاتها، مما يدفعهم إلى الوقوف في طوابير طويلة بمحاولات يائسة لحل أزمتهم.
كيفية إزالة الأحكام من شبكة السجل المدني وقطاع الأمن العام والأكمنة بالحاسب الآلي بوزارة الداخلية

في تصريحات خاصة لـ «اليوم» يقول حسام نبيل، المحامي بالاستئناف ومجلس الدولة: ” شبكة السجل المدني التابعة لقطاع الأحوال المدنية بوزارة الداخلية تظهر عليها الأحكام النهائية المسجلة بصحيفة الحالة الجنائية «الفيش» “، مضيفاً بأنه يتم إزالة الحكم من خلال طلب رد الاعتبار، الذي يقدم لمحكمة الجنايات، واستكمل بأن أول جنحة في الغالب لم يتم تسجيلها بصحيفة الحالة الجنائية.
وعن إجراءات محو المعلومات والتسجيل الجنائي بشبكة قطاع الأمن العام التي تظهر عليها كل القضايا الصادر بها احكام منفذه أو غير منفذه، حيث تكون متواجدة في الكمائن والأقسام، أفاد بأنه يتم محوها من الحاسب الآلي بوزارة الداخلية عن طريق استخراج شهادة للقضية من جدول النيابة العامة والتوجه بها إلى مديرية الأمن، وغالباً يتم قبول الطلب، بينما في حالة الرفض يتم تقديم دعوى محو تسجيل جنائي بالقضاء الإداري”، وأضاف عند التوجه إلى الجهات المختصة، يجد المواطن نفسه أمام خطوات إدارية، تبدأ بتقديم طلب لمحو القيد الجنائي بالقضاء مروراً بالمراجعات الأمنية والقضائية، وصولاً إلى تحديث قاعدة البيانات، وأوضح بأن هذا الأمر قد يستغرق شهوراً، كما أشار إلى الخطوات المتبعة لإزالة الأحكام من الحاسب الآلي والتي تبدأ بالآتي..
- استخراج شهادة رسمية من جدول النيابة العامة الصادر فى دائرة اختصاصها الحكم.
- الذهاب بها إلى مديرية الأمن التابع لها صاحب القضية، أو وحدة تنفيذ الأحكام بقطاع الأمن العام بالعباسية.
- يتم تقديم شهادة الجدول وصورة من البطاقة الشخصية إلى المسئول الأمنى المختص وتقوم تلك الجهة بالاستعلام عن صحة الشهادة فإذا كانت سليمة يتم تسديدها والإمضاء على الشهادة بأنها سليمة وإزالة الاسم من الأكمنة.
طريقة إزالة كارت التسجيل الجنائى فى حالة المسجلين
تحدث حسام نبيل، عن إمكانية إزالة كارت التسجيل الجنائي للمتهمين الذي يتم تسجيله في عرض المباحث عند خروج المتهم بكفالة، أو براءة، بشرط أن يكون مر 5 سنوات عن أخر اتهام من صدور الحكم، مع تقديم طلب إلى لجنة الأمن العام بالعباسية لفحص الطلب، حيث يتم البت في الطلب المقدم بالقبول أو بالرفض.
وأفاد بأنه فى حال الرفض يتم رفع دعوى قضائية فى مجلس الدولة بمحو وشطب المعلومات الجنائية من كارت التسجيل الجنائى، وذلك طبقاً لنصوص المواد563 : 553 من الباب العاشر بالكتاب الرابع من قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠وكذلك المواد 95 و 96 من الدستور المصري.
أحد موظفي وزارة الداخلية، فضل عدم ذكر اسمه، أوضح أن المشكلة تكمن في تعقيد نظام الحاسب الآلي وعدم توافقه مع التحديثات المستمرة للقوانين والقرارات القضائية، وأضاف: “هناك جهود لإصلاح النظام، لكن الضغط الكبير وعدد الطلبات الهائل يجعل المهمة أصعب.”

دعوات الإصلاح من قبل البرلمان
في خطوة تعكس حرص البرلمان على تطوير منظومة العدالة في مصر، طالب النائب البرلماني نشأت فؤاد عباس خلال جلسة برلمانية مخصصة لمناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بضرورة تقنين تسجيل المعلومات والقضايا على جهاز الحاسب الآلي بوزارة الداخلية، حيث يتم التسجيل لجميع القضايا دون النظر إلى ما انتهى إليه القانون وأحكام القضاء.

وخلال اتصال هاتفي لـليوم قال النائب نشأت فؤاد عباس : ” إن النظام الحالي قد يؤدي أحيانًا إلى مشاكل خطيرة تمس حياة الأفراد، بدءًا من التوظيف إلى التعاملات القانونية”، مفسراً ذلك بسبب الأخطاء أو البيانات القديمة، التي لم تُحدّث بالشكل المطلوب، حيث أكد على أن تعديل الأنظمة القائمة يهدف إلى تقليل الأخطاء البشرية، وزيادة الشفافية في التعامل مع البيانات الجنائية، مما ينعكس إيجابيًا على المواطن والمجتمع ككل.
وأفاد عباس أن الهدف من هذا التعديل هو تحديد مدة زمنية لحفظ القضايا الجنائية، بحيث يتم إزالة القضايا القديمة المنتهية بثبوت البراءة، أو تلك التي انتهت فترتها القانونية من السجلات الإلكترونية، وذلك بهدف مراعاة حقوق الإنسان في تسجيل وإدارة المعلومات الجنائية، مشيراً إلى أن هذا التعديل سيُسهم في تعزيز العدالة الاجتماعية لتحقيق الاستقرار النفسي للمواطنين، خصوصًا بعد استيفاء جميع الإجراءات القانونية المتعلقة بأي قضية.
وفقًا لعباس، فإن السجلات الجنائية المسجلة إلكترونياً، التي تعتمد على قواعد بيانات قديمة، أو تعاني من أخطاء في التسجيل، قد تؤثر على حياة الكثير من المواطنين، سواء في فرص التوظيف أو السفر، وتؤدي أحيانًا إلى إشكاليات قانونية غير مبررة.

أهمية التقنين
أشار النائب إلى أهمية تقنين تسجيل البيانات والمعلومات الجنائية ليس مجرد ضرورة أمنية، بل يُعدُّ جزءًا من ضمان حقوق الإنسان في العصر الرقمي، حيث أشار في كلمته إلى أن إصلاح هذه المنظومة يتطلب الالتزام ببنود القانون، وتوفير تقنيات حديثة لتقنين موقف القضايا والمدد الزمنية في عملية التسجيل، مع تدريب العاملين لضمان إجراءات تحقق عادلة، وتفادي أي أخطاء قد تنعكس سلبًا على حياة الأفراد.
أبعاد القضية
يرى خبراء القانون بأن تحديث النظام الإلكتروني للسجلات الجنائية يتطلب تبني تقنيات حديثة وتطوير بنية تحتية رقمية متقدمة، وفي الوقت نفسه، أشاروا إلى أن عملية الإصلاح ليست مجرد قضية فنية، بل تتعلق بحقوق المواطنين وضرورة تقليل التظلمات التي قد تنجم عن الأخطاء في تسجيل البيانات.
ردود الفعل
لقيت دعوة عباس تفاعلًا واسعًا من النواب والمواطنين وخبراء القانون، حيث أكدوا أن تحديث البيانات الجنائية يعكس اهتمام الدولة بالتطور التكنولوجي وضمان حقوق المواطنين، وطالب البعض منهم بضرورة رصد ميزانيات كافية لتحديث المنظومة وتدريب العاملين عليها.
يبقى أن نرى مدى استجابة الحكومة لهذه المطالب ومدى جدية الخطوات المقبلة نحو تحديد آليات التسجيل الجنائي، بما يضمن توازنًا بين الأمن الرقمي وحقوق الأفراد، في عصر تتسارع فيه التطورات التقنية والاحتياجات القانونية.

