تقارير-و-تحقيقات

البحث العلمي في مصر.. أحلام مكبّلة بقيود الواقع

بين بيروقراطية المؤسسات وغياب التمويل.. الباحثون يصرخون: نكافح وحدنا!

كتبت: فاطمة الزناتي 

رغم ما يحمله البحث العلمي من آمال في التقدم، إلا أن واقع الباحثين في مصر يشهد تحديات قاسية، أبرزها غياب التمويل، وصعوبات الوصول للمعلومات، وضعف الاهتمام المؤسسي.

جمود مؤسسي وضعف دعم.. بداية الانهيار

ترى د. هدير محمد، معيدة بقسم الإعلام – جامعة أسيوط، أن أبرز ما يواجه البحث العلمي حاليًا هو “تعدد التحديات بين التخصصات، لكن التمويل وجمود النظريات يُعدان العائقين الأبرز في طريق التجديد والتطوير”.

وتضيف: “صحيح أن التكنولوجيا سهّلت الكثير من أدوات البحث، من مراجع وعينات ودراسات ميدانية، لكن لا تزال هناك حاجة للسفر للحصول على الرسائل الجامعية، مما يزيد التكلفة والجهد على الباحث”.

وتؤكد أن هناك قضايا عالمية في البحث العلمي مشتركة بين الدول، لكن توجد مشكلات محلية خاصة لا يمكن تعميمها، مثل ضعف التمويل الذي يتفاوت أثره من تخصص إلى آخر، ما يجعل العملية البحثية مرهقة ماديًا رغم بعض البدائل المجانية.

المجهود يضيع.. والنتائج تُهمل

تروي طالبة ماجستير بجامعة عين شمس –فضّلت عدم ذكر اسمها– معاناتها قائلة: “لا توجد استراتيجية واضحة للبحث العلمي في مصر، وهناك تقليل متواصل من شأنه، إضافة إلى غياب الدعم المالي، خاصة من الجهات الحكومية”.

وتتابع: “من المؤسف أن الوصول إلى البيانات والإحصائيات الأساسية بات صعبًا، بسبب عراقيل بعض المؤسسات، مما يؤدي إلى شلل في تنفيذ الأبحاث. والأسوأ أن كثيرًا من الرسائل العلمية تتناول موضوعات ترفيهية لا تلامس واقع المجتمع”.

وتضيف: “رغم الجهود المبذولة، لا تُفعل نتائج الأبحاث فعليًا، ما يؤدي إلى ضياع الوقت والتمويل دون أثر ملموس، وتبقى نتائج الرسائل العلمية حبيسة الأدراج”.

رحلة باحث خارج الجامعة: استنزاف بلا مقابل

عبّرت نورا محمد علي، حاصلة على ماجستير من جامعة الوادي الجديد، عن استيائها من التكلفة المرتفعة لإجراء البحوث، قائلة: “الجامعات تقرر رسومًا تفوق طاقة الطالب، والهيئات الحكومية لا تتعاون في توفير البيانات”.

وأضافت: “أكبر أزمة هي الموقع الجغرافي، فالمكتبات المركزية تقع في القاهرة، بينما الباحثون في الصعيد أو المحافظات النائية يضطرون للسفر الطويل فقط لتصوير 25 صفحة من رسالة جامعية!”.

وأكدت أن الأجهزة البحثية غير متوفرة في بعض الجامعات، ما يضطر الباحثين للتنقل بين المحافظات لتحليل العينات، مشيرة إلى أن “كل خطوة في البحث العلمي تكلف مالًا – من التحاليل، والسفر، وحتى شراء الأدوات، هذا بخلاف الدورات التي تُفرض على الباحث رغم بعدها عن تخصصه”.

معايير غائبة وتكرار ممل

يؤكد الباحث بكلية التمريض “ح. ر” أن “كثيرًا من الرسائل متشابهة من حيث نقطة التفكير، مما يشير إلى محدودية الإبداع البحثي، ويرجع ذلك إلى قلة الموارد وعدم اختيار المشرف المناسب”.

ويضيف: “المشرف الجيد يصنع الفرق، فهو من يوجه الباحث نحو أفكار جديدة تخدم المجتمع وتضيف للمعرفة، لا مجرد تجميع لمراجع أو إعادة إنتاج أبحاث مكررة”.

البحث العلمي.. سلعة باهظة الثمن

ترى د. نسمة عصمت محمد، مدرس علم النفس بجامعة أسيوط، أن “أهم عائق أمام الباحثين هو التمويل. فرغم رفع ميزانية البحث العلمي على الورق، إلا أن ما يُصرف فعليًا لا يتجاوز 10% مما يجب”.

وتتابع: “الإعلام لا يسلط الضوء على النماذج العلمية الحقيقية، بل يروّج لنجاحات سطحية. أما في الميدان، فالمعامل الضرورية لإجراء التجارب نادرة في بعض المحافظات، ما يضطر الباحثين للسفر المستمر”.

وأكدت أن البحث العلمي “يتطلب شخصًا محبًا للمعرفة، لكنه يحتاج أيضًا وقتًا وجهدًا وتكلفة لا يستطيع كثيرون تحملها بمفردهم، خاصة في غياب دعم القطاع الخاص”.

تصريحات من الداخل: أين البحث؟

في تصريح خاص، قال مصدر أكاديمي رفض ذكر اسمه: “لا يوجد بحث علمي حقيقي في مصر حاليًا. الباحث يصطدم بعوائق في كل اتجاه؛ من صعوبة الحصول على بيانات، إلى الروتين الإداري، وصولًا إلى غياب الميزانية”.

وأضاف: “أغلب مشاكل البحث تختلف من بلد لآخر، لكن في مصر، الموقع الجغرافي، والبيروقراطية، وعدم التنسيق بين الجهات الحكومية، تمثل عوائق يصعب تجاوزها بدون تدخلات سياسية وإدارية جادة”.

مقترحات وحلول ممكنة

في ظل هذا الواقع، يبرز عدد من المقترحات من الباحثين والمختصين، منها:

توفير الأجهزة اللازمة في الجامعات، خاصة في المحافظات النائية.

خفض الرسوم المفروضة على الباحثين، والابتعاد عن تحويل التعليم لسلعة تجارية.

إتاحة الرسائل والأبحاث عبر الإنترنت مجانًا دون قيود.

الاستفادة من القطاع الخاص في تمويل الأبحاث ذات الصلة بالمجتمع.

عدم فرض دورات إجبارية بعيدة عن التخصص.

تبني الدولة لاستراتيجية واضحة تُلزم المؤسسات بالتعاون مع الباحثين.

هل من أمل؟

ورغم كل الصعوبات، لا يزال هناك من يتمسك بالأمل، مؤمنين بأن البحث العلمي هو بوابة التطور الحقيقي. لكن استمرار هذا الأمل مرهون بتغيير حقيقي في السياسات والتوجهات، وإلا سيبقى الباحث المصري يخطو خطواته وسط الألغام، دون ضمانة للنجاة أو التقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى