مداخن صنعت التاريخ لا مفاعلات نووية.. قصة المحلة بين الصناعة وكرة القدم

أثار منشور لحساب يحمل اسم «الصين بالعربية» على منصة «X» جدلاً واسعاً بعد نشره صورة لملعب كرة قدم في مصر تظهر خلفيته منشآت صناعية ضخمة واصفاً المشهد بـ«فاصل غير عادي» ملمحاً إلى أنها مفاعلات نووية ما فتح باب التعليقات والتكهنات على نطاق واسع.

غير أن الحقيقة التي يعرفها أبناء دلتا مصر جيداً تؤكد أن تلك المنشآت ليست سوى مداخن شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى إحدى أعرق القلاع الصناعية في الشرق الأوسط والتي تطل بشكل مباشر على استاد غزل المحلة في مشهد فريد يجمع بين الصناعة والرياضة في مدينة واحدة.
المحلة.. مدينة صنعت هويتها بيديها
لم يكن هذا التداخل بين المصنع والملعب مصادفة بل يعكس طبيعة مدينة نشأت على العمل والإنتاج حيث شكلت شركة الغزل والنسيج العمود الفقري للاقتصاد المحلي ومنها خرجت أجيال من العمال والرياضيين الذين صنعوا اسم المحلة في المصانع كما في الملاعب.
غزل المحلة.. فريق الفلاحين
تأسس نادي غزل المحلة في أربعينيات القرن الماضي كفريق يمثل عمال الشركة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز الأندية الجماهيرية في مصر ويحمل لقب «فريق الفلاحين أو زعيم الفلاحين» معبراً عن روح البساطة والكفاح والانتماء للأرض.
وارتبط النادي وجدانياً بالصناعة حيث كان لاعبو الفريق في فترات طويلة من أبناء وعمال الشركة ليصبح الاستاد رمزاً رياضياً يجاور رمزاً صناعياً في صورة نادرة لا تتكرر كثيراً.
جذور تاريخية راسخة
تعود بدايات شركة مصر للغزل والنسيج إلى عام 1927 حين أسسها الاقتصادي الوطني طلعت حرب باشا ضمن مشروعات بنك مصر برأسمال بلغ آنذاك 300 ألف جنيه قبل أن يشهد نمواً متدرجاً عبر العقود ليصل حالياً إلى نحو 1.5 مليار جنيه.
وشهدت الشركة توسعات هائلة في المساحة والبنية إذ انطلقت من عشرات الأفدنة ثم امتدت لتضم مناطق إنتاجية، وأحياء سكنية للعمال، ومنشآت خدمية وترفيهية، لتصبح نموذجاً صناعياً واجتماعياً متكاملاً في قلب الدلتا.
قدرات إنتاجية ضخمة
بدأ الإنتاج الفعلي بالشركة مطلع الثلاثينيات بعدد محدود من المغازل قبل أن تتضاعف الطاقات الإنتاجية لتضم مئات الآلاف من المرادن وعشرات الآلاف من أنوال النسيج إلى جانب مصانع للملابس الجاهزة ومراكز تدريب مهني أسهمت في تخريج كوادر فنية مدربة.
ورغم ما واجهته الشركة من تحديات خلال سنوات سابقة، وتأثر حصتها السوقية محلياً وخارجياً فإن مسار التطوير الحالي يستهدف إعادة المحلة إلى موقعها الطبيعي كعاصمة لصناعة الغزل والنسيج في مصر.
مصنع غزل 1.. الأكبر عالمياً
يعد مصنع غزل (1) أحدث وأضخم مشروعات التطوير حيث يصنف كأكبر مصنع غزل في العالم من حيث عدد المرادن تحت سقف واحد بقدرة تصل إلى 183 ألف مردن، وعلى مساحة تتجاوز 62 ألف متر مربع.
ويعمل المصنع بأحدث ماكينات الغزل السويسرية من إنتاج شركة ريتر، بطاقة إنتاجية تقارب 30 طن غزل يومياً، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير عملة صعبة تقدر بنحو مليار دولار سنوياً، كما يجري دعم المصنع بمحطة كهرباء حديثة تعد من الأكبر داخل الشركة بتكلفة تقارب 880 مليون جنيه لضمان استقرار التشغيل واستدامة الإنتاج.
نحو استعادة الريادة
تعكس واقعة «المداخن والملعب» حقيقة مدينة لم تفصل يوماً بين العمل والرياضة وبين المصنع والاستاد، حيث تتجاور قلاع الصناعة مع مدرجات الكرة في مشهد يُجسد هوية المحلة الكبرى.
وتمثل أعمال التطوير الجارية خطوة استراتيجية لإعادة تموضع شركة مصر للغزل والنسيج على خريطة الصناعة العالمية وفتح آفاق جديدة للتشغيل وزيادة الصادرات وترسيخ مكانة المحلة كمدينة تصنع التاريخ داخل المصانع… وتهتف له في الملاعب.


