سفير القرآن ورمز التواضع.. من هو الشيخ السيد سعيد الذي ودّعته مصر اليوم؟
"شيخ القلوب" يرحل في صمت.. تفاصيل حياة قارئ نادر خلّد اسمه في التاريخ

تقرير : أحمد فؤاد عثمان
فقدت مصر والعالم الإسلامي، اليوم السبت، واحدًا من أعذب الأصوات التي أنجبتها أرض الكنانة، القارئ الكبير الشيخ السيد السيد سعيد، الذي رحل عن عمر يناهز 82 عامًا، تاركًا خلفه مسيرة خالدة في رحاب القرآن الكريم، أثرت الملايين وألهمت أجيالًا من القرّاء ومحبي التلاوة.
ورحل الشيخ بعد صراع مع المرض، بمستشفى معهد ناصر بالقاهرة، حيث كان يتلقى العلاج في السنوات الأخيرة، ومن المقرر أن يُشيّع جثمانه الطاهر غدًا الأحد من قريته ميت مرجا سلسيل، التابعة لمركز الجمالية بمحافظة الدقهلية.
البدايات المتواضعة والنشأة القرآنية
وُلد الشيخ السيد السيد سعيد في 7 مارس عام 1943، في قرية ريفية بسيطة، وفي أجواء مفعمة بالإيمان، بدأ حفظ القرآن الكريم وهو لم يُكمل عامه السابع، على يد الشيخ عبده المحمودي عثمان بكتّاب القرية. ومنذ تلك اللحظة، بدا أن هذا الطفل الصغير يحمل في صدره قدرًا كبيرًا من النور، سيشعّ يومًا على العالم بأسره.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، فقد بدأ كما بدأ معظم عظماء التلاوة من “الكتّاب”، في بيئة تشتد فيها الحاجة وتعلو فيها قيمة العلم والدين، لكنه امتلك ما لم يملكه غيره: صوت يخشع له القلب، وينصت له العقل، ويترنم معه الوجدان.
كفر سليمان والانطلاقة الحقيقية
على الرغم من أن الشيخ وُلد ونشأ في محافظة الدقهلية، إلا أن قرية كفر سليمان بمحافظة دمياط كانت المنصة التي انطلق منها صوته إلى بقية المحافظات، حتى قال عنها: “هي التي أضافت لقب الشيخ لاسمي، فاشتهرت بها قبل أن أُعرف في بلدي”. هناك، ذاع صيته، وتناقل الناس صوته النادر بين المناسبات الدينية والاحتفالات القرآنية، حتى صار أحد أعلام التلاوة في منطقة الدلتا، ثم امتد تأثيره ليشمل مصر كلها.

سلطان القراء ورفيق الكبار
التحق الشيخ السيد سعيد بركب عمالقة التلاوة، وقرأ إلى جوار أسماء لامعة في تاريخ التلاوة القرآنية، مثل: الشيخ محمد صديق المنشاوي، الشيخ مصطفى إسماعيل، الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، الشيخ محمود علي البنا، والشيخ أبو العينين شعيشع. وبفضل ما تميز به من تمكّن في الأداء، وقدرة فريدة على توظيف المقامات الصوتية، والتفاعل الروحي مع الآيات، لُقّب بـ”سلطان القراء”، وهو لقب لم يُطلق عليه عبثًا، بل استحقه بجدارة على مدار عشرات السنين.
سفير القرآن في العالم
لم يكن الشيخ السيد سعيد قارئًا محليًا فحسب، بل كان سفيرًا للقرآن في دول عديدة، من الخليج إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا. جاب العالم رافعًا راية كتاب الله، ومن بين الدول التي زارها: الإمارات، لبنان، العراق، إيران، سويسرا، جنوب أفريقيا، أذربيجان. وكان دائمًا موضع ترحيب وتكريم من رؤساء وملوك تلك الدول، أبرزهم رؤساء باكستان ولبنان وإيران، لما يمثله صوته من حضور روحاني وأداء فريد.

سورة يوسف والبصمة الخاصة
اشتهر الشيخ السيد سعيد بتلاوته المؤثرة لسورة يوسف، التي برع في أدائها بأسلوب درامي مؤثر يجسد القصة القرآنية كما لو كانت تُروى أمام المستمع، فكان صوته يبكي السامعين، ويلامس أرواحهم كما لم يفعل غيره.
رعاية الدولة وتقدير الرئاسة
منذ إصابته بوعكة صحية عام 2014، ظل الشيخ يتلقى رعاية خاصة من الدولة المصرية، حيث وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بعلاجه على نفقة الدولة. وكانت تُرسل له سيارات إسعاف مجهّزة بشكل دوري من وزارة الصحة لنقله إلى معهد ناصر، حيث أمضى فترات متقطعة في العناية. ورغم المرض، لم يفتر عن ذكر الله، ولم يتوقف عن تعليم القرآن، فكان يستقبل زائريه دائمًا بابتسامة ورضا، ويمضي وقته بين التلاوة، والذكر، والدعاء.
نقابي محبوب ومُعلّم الأجيال
شغل الشيخ منصب نقيب قراء محافظة الدقهلية، ثم نقيب قراء دمياط، وكان من أبرز الداعمين للقرّاء الشباب. خرّج عددًا من أبرز قرّاء مصر المعاصرين، من بينهم: الشيخ سعيد الخراشي، الشيخ عصام الأمير، والشيخ السعيد حمادة. كان قريبًا من الناس، صريحًا، متواضعًا، لا يحب الأضواء بقدر ما يحب خدمة القرآن وأهله.

الوداع الأخير ومشهد الجنازة
من المقرر أن يصل أحد أبناء الشيخ، المقيم في السعودية، مساء اليوم، تمهيدًا لنقل الجثمان الطاهر إلى قريته، على أن تُقام صلاة الجنازة غدًا الأحد عقب صلاة الظهر في المسجد الكبير بقرية ميت مرجا سلسيل. ويُقام عزاء الفقيد مساء الإثنين. وقد تهاطلت عبارات النعي من محبيه وتلامذته، ونعاه العشرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصفين إياه بـ”الشيخ الخاشع، الصوت الذي لا يُنسى، والمعلم الذي لن يتكرر”.
رحيل الجسد وبقاء الصوت
رحل الشيخ السيد السيد سعيد، لكن صوته باقٍ، وتلاواته خالدة، تُبث في الإذاعات، وتُسمع في الجنازات، وتُتداول في كل بيت مصري. هو ليس مجرد قارئ، بل ذاكرة صوتية للأمة، وواحد من أولئك الذين منحوا القرآن حياة من خلال الصوت. رحم الله سلطان القراء، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن كتاب الله وعن أمة محمد خير الجزاء.

