الأزهر يواجه فوضى الفتاوى بدورة مكثفة لتأهيل الوعاظ

في إطار الجهود الحثيثة التي يبذلها الأزهر الشريف لمجابهة ظاهرة الفتاوى العشوائية التي تهدد استقرار المجتمع، تفقد الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، فعاليات الدورة التدريبية المتخصصة التي تنظمها أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى تحت عنوان: (مهارات الفتوى العملية)، والتي تستمر على مدار أسبوعين بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف.
وتأتي هذه الدورة تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وبإشراف مباشر من فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر، ضمن رؤية الأزهر الرامية إلى تعزيز كفاءة العاملين في المجال الدعوي، ورفع مستواهم المهني والفكري بما يتناسب مع متطلبات الواقع المعاصر وتحدياته الفكرية والدينية.
تأهيل علمي ومهني لصنّاع الفتوى
أكد الأمين العام خلال جولته التفقدية للقاعات التدريبية التي يشارك فيها نخبة من أساتذة جامعة الأزهر المتخصصين، أن البرنامج التدريبي يستهدف رفع كفاءة الوعاظ والعاملين في مجال الفتوى من خلال تزويدهم بمهارات عملية دقيقة تعزز من قدرتهم على إصدار الفتاوى وفق ضوابط منهجية علمية راسخة.
وأضاف الجندي أن هذه الخطوة تأتي في إطار اهتمام الأزهر العميق بتطوير منظومة الإفتاء وتعزيز حضورها المهني في الساحة الدينية، موضحًا أن إعداد كوادر متميزة ومؤهلة شرعيًا للتعامل مع القضايا الفقهية المعاصرة يُعد ضرورة ملحة لمواجهة التحديات التي تفرضها بعض الفتاوى غير المنضبطة، والتي غالبًا ما تكون سببًا في إثارة الجدل والبلبلة داخل المجتمع.
استراتيجية الأزهر في محاصرة الفتاوى المتطرفة
وشدد الجندي على أن المجتمع اليوم بحاجة ماسة إلى خطاب ديني منضبط ومستنير يحقق التوازن بين الثوابت الشرعية ومقتضيات الواقع، مشيرًا إلى أن الفتاوى التي تصدر دون تأصيل علمي أو مراعاة لواقع الناس تؤدي إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية وتهدد النسيج المجتمعي.
وأوضح أن الأزهر الشريف، بقيادة الإمام الأكبر، يضع على رأس أولوياته إعداد جيل من العلماء والوعاظ المؤهلين تأهيلاً علميًا دقيقًا يمكنهم من أداء رسالتهم الدعوية والفتوية بما يعكس وسطية الإسلام وسماحته، ويمنع في الوقت ذاته تسلل الفكر المتشدد أو الخطاب المتطرف إلى عقول الناس.
المنهجية العلمية أساس الفتوى الرشيدة
وأشار الجندي إلى أن الدورة التدريبية تركز على تطبيقات عملية في مهارات الإفتاء، وعلى تعزيز الفهم المنهجي لأصول الفقه ومقاصد الشريعة، إضافة إلى تعميق وعي المشاركين بأهم القضايا المعاصرة التي تشغل بال المجتمع، وكيفية التعامل معها بفتاوى تحقق مقاصد الشريعة وتخاطب الواقع بوعي ومسؤولية.
ونوّه إلى أن مجمع البحوث الإسلامية والأكاديمية العالمية يواصلان جهودهما في تنظيم دورات متقدمة على مدار العام، ضمن خطة استراتيجية متكاملة لبناء كفاءات دعوية متميزة قادرة على مجابهة التحديات الفكرية والانحرافات العقدية التي تهدد المجتمع من الداخل.
تكامل المؤسسات الأزهرية في النهوض بالمهمة الدعوية
عبّر الجندي عن تقديره للجهود الكبيرة التي تبذلها الأكاديمية العالمية للتدريب، باعتبارها ذراعًا مهمًا من أذرع الأزهر في إعداد الكوادر العلمية والدعوية، مؤكدًا أن التكامل بين مؤسسات الأزهر المختلفة هو السبيل الأمثل لتحقيق رسالته السامية في نشر الوسطية ومحاربة التطرف.
وشدد على أن هذه البرامج التدريبية تمثل نواة لمشروع أزهري متكامل لتجديد الخطاب الديني، وتوفير مرجعية موثوقة في الفتوى، يمكنها أن تحسم الجدل الدائر حول كثير من القضايا التي تُستغل من قبل بعض الأطراف لبث الفتنة والتشكيك في الثوابت.
تأتي هذه الدورة في سياق رؤية أزهرية متجددة تسعى إلى ضبط منظومة الفتوى، وتحصين المجتمع من الانزلاق وراء فتاوى غير مسؤولة تفتقر إلى التأصيل العلمي والفقهي. إنها خطوة جادة نحو استعادة مكانة الفتوى الصحيحة، وإعادة ثقة الناس في المؤسسات الدينية الرسمية، في زمن تتزايد فيه التحديات وتتعالى فيه الأصوات غير المؤهلة باسم الدين.




