مفتى الجمهورية: الشتاء ربيع المؤمن وفرصة للعبادة

تقرير:مصطفى علي
في الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بالشكاوى المعتادة من انخفاض درجات الحرارة وطول ليالي الشتاء، يكشف فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، عن وجهٍ آخر للفصل الأكثر قسوة في العام، مؤكدًا أنه “غنيمة روحية” و“ربيع عبادي” للمؤمن الذي يُحسن استغلال أيامه ولياليه.
فالشتاء وفق رؤية المفتي ليس مجرد ظرف مناخي عابر، بل مساحة زمنية استثنائية تفتح أبوابًا أوسع للعبادة، وتُذَكِّر المؤمن بمعاني الصبر، والتقرّب، والبحث عن الدفء الروحي قبل الدفء الجسدي.
سؤال يفتح باب التوجيه… كيف نغتنم فصل الشتاء؟
انطلقت تصريحات المفتي ردًا على سؤال مباشر تلقّاه من أحد المواطنين، تساءل فيه عن أفضل السبل للاستفادة من هذا الفصل روحياً، وكيف يمكن تحويل البرد القارس إلى طاقة إيجابية تنعكس على القلب والروح والسلوك اليومي.
هذا السؤال البسيط أعاد فتح النقاش عن موقع الشتاء في الحياة الدينية للمؤمن، وعن مكانة العبادات الموسمية التي تعرف قيمتها الحقيقية حين تُمارس في ظروف صعبة.
الشتاء… صومٌ ميسّر وليلٌ طويل للقيام
يوضح مفتي الجمهورية أن من أبرز ملامح الشتاء التي تجعل منه ربيعًا للمؤمن أمرين رئيسيين:
1. قصر النهار وسهولة الصيام
نهاره قصير، ومن ثم يصبح الصوم فيه أقل مشقة وهنا تبرز الحكمة في تشجيع المسلمين على استغلال هذا الزمن القصير في صيام النوافل، كالإثنين والخميس، أو الأيام البيض، أو غيرها مما يزيد رصيد المؤمن من الحسنات.
2. طول الليل وفرصة قيامه
ليل الشتاء طويل، يمنح فسحة واسعة للراحة والعبادة معًا، إذ يمكن للمؤمن أن يجمع بين النوم الكافي وقيام الليل دون إرهاق كبير، وهو ما يجعل هذا القيام أكثر قربًا من الخشوع وتدبر الآيات.
3. إسباغ الوضوء في البرد… عبادة تكفّر الذنوب
يشير المفتي إلى أن تحمل مشقة الوضوء في الأجواء الباردة يعد من الأعمال العظيمة التي ترفع الدرجات، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن تكفير الخطايا بإسباغ الوضوء على المكاره، مؤكدًا أن هذا الفعل البسيط يحمل قيمة معنوية وروحية كبيرة.
ارتكز المفتي في شرحه لفلسفة هذا الفصل الروحية على الحديث النبوي الشريف:
«الشِّتَاءُ رَبِيعُ الْمُؤْمِنِ»
ويشرح أن معنى الحديث أن المؤمن يرتع في طاعات الشتاء كما ترتع الماشية في مروج الربيع الغنّاء، فهو يجد فيه فسحة دون عناء، وسعة دون مشقة.
تفسير المناوي… متعة العبادة دون تعب
ينقل المفتي عن الإمام المناوي قوله إن الشتاء يصبح ربيعًا للمؤمن لأنه يجد فيه راحة في العبادة، فلا يجهده الصوم لقصر النهار، ولا يضيق عليه الليل عند القيام، فيجمع بين العبادة والنوم براحة متوازنة.
فصلٌ للتنافس في الخير… ومساحة للقلب والعطاء
يشدد المفتي على أن الشتاء ليس موسمًا للانكماش أو الشكوى فحسب، بل هو ميدان مفتوح للتنافس في الأعمال الصالحة، سواء كانت عبادات فردية أو مبادرات اجتماعية لمساعدة المحتاجين، خاصة الذين يعانون من قسوة الطقس.
فالشتاء كما يصفه “روضة للطاعات”، تذكّر الإنسان بحاجته إلى الله، وتفتح أمامه باب الرحمة، والتأمل، وإعادة النظر في سلوكه وواجباته تجاه الآخرين.
الأدعية المرتبطة بالبرد والأمطار والرعد… إرث نبوي يضيء الطريق
ضمن حديثه الروحي، برزت مجموعة من الأدعية المأثورة والمتداولة التي ترتبط بأجواء الشتاء القاسية، وأخرى وردت عن النبي ﷺ عند نزول المطر، وهبوب الرياح، وسماع الرعد، وهي أدعية تحمل رسائل إيمانية عميقة.
أدعية البرد الشديد… طلب السكينة والستر
يتداول كثير من المسلمين أدعية تحضر بقوة في الأجواء القارسة، منها:
اللهم فى هذا البرد القارس، نستودعك كل من لا مأوى له
ويهدف الدعاء إلى تذكير المسلم بمعاناة الآخرين، فيجمع بين التضرع والرحمة والمسؤولية الاجتماعية.
دعاء المطر:
«اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا… اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها…».
وهو دعاء ورد عن النبي ﷺ يُقال عند نزول الغيث، لما فيه من خير وبركة ورحمة.
دعاء الرعد… تذكير بهيبة الخالق
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:
“سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ”
وفي السنة:
اللهم حوالينا ولا علينا
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يروي أن النبي ﷺ كان إذا سمع الرعد قال:
“اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك”
وهو دعاء يعيد إلى القلب معنى الخشية، والتسليم، وتذكر قدرة الله.
أدعية الرياح… رحمة لا تُسبّ
يروي أبو هريرة في حديث حسن أن النبي ﷺ قال:
“الريح من رَوْح الله فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها”
ويعلق العلماء بأن “رَوْح الله” تعني رحمته بعباده، فالرياح قد تحمل المطر والخصب، وقد تأتي بالعواصف، ولذلك يُستحب الدعاء بدلاً من اللعن أو التذمر.



