دعاوى الجهاد المسلّح ضد الاحتلال تحت مجهر الأزهر والإفتاء
عالم أزهري: مساعدة أهل غزة تقتضي الحكمة لا التهور.. وأمين الفتوى: الجهاد له شروط "واتحاد المسلمين" يمثله نفسه فقط

تقرير- محمود عرفات
أثارت الفتوى التي أصدرها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يتخذ من العاصمة القطرية الدوحة وإسطنبول التركية مقراً له جدلا كبيرا، حيث قال بوجوب الجهاد المسلّح ضد الاحتلال الإسرائيلي، مشدداً على ضرورة التدخل العسكري الفوري للدول الإسلامية دعماً للمقاومة الفلسطينية، وإلغاء كافة أشكال التطبيع مع تل أبيب.
مؤسسات وهيئات تؤيد “علماء المسلمين”
كان من بين المؤسسات التي أيّدت فتوى “علماء المسلمين” مجلس العلماء الإندونيسي (MUI)، حيث أكد رئيس “لجنة العلاقات الخارجية “، سودارموتو عبد الحكيم، أن علماء المجلس قد تبنّوا هذه الفتوى بالإجماع، مشددًا على “ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة على الصعيدين السياسي والدبلوماسي لممارسة ضغط كبير على الولايات المتحدة الأمريكية لوقف دعمها للاحتلال الإسرائيلي”.
من يدعو يتقدم الصفوف.. الإفتاء المصرية ترد على دعاوى الجهاد ضد الاحتلال
ردت دار الإفتاء المصرية على دعاوي الجهاد المسلح ضد الاحتلال في بيان لها، مشيرة إلى أن الجهاد مفهومٌ شرعيٌّ دقيق، له شروط وأركان ومقاصد واضحة ومحددة شرعًا، وليس من حق جهة أو جماعة بعينها أن تتصدر للإفتاء في هذه الأمور الدقيقة والحساسة بما يخالف قواعد الشريعة ومقاصدها العليا، ويعرِّض أمن المجتمعات واستقرار الدول الإسلامية للخطر.
وأكدت دار الإفتاء المصرية أن دعم الشعب الفلسطيني في حقوقه المشروعة -واجب شرعي وإنساني وأخلاقي، لكن بشرط أن يكون الدعم في إطار ما يحقق مصلحة الشعب الفلسطيني، وليس لخدمة أجندات معينة أو مغامرات غير محسوبة العواقب، تجرُّ مزيدًا من الخراب والتهجير والكوارث على الفلسطينيين أنفسهم.
بعد بيان دار الإفتاء وتفنيد ما ادعاه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خرجت أصواتٌ تنادي بأن الجهاد فرض عين، وأن “جهاد الدفع” لا يحتاج إلى إذن ولي أمر، إلى غيرها من الأمور التي أحدثت حالة من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
خطورة قرار الجهاد
وفي إطار الرد على هذه الادعاءات ووضع الأمور في سياقها وفق الشريعة الإسلامية قال فتحي عثمان أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء إن الجهاد أمرٌ خطير لا يتخذ بهذه البساطة، وأن ما قاله “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” عبث لا قيمة له، وهم لا يمثلون الإسلام ولا المسلمين بأي حال من الأحوال، ودعوى أن اسمها يوحي للوهلة الأولى أنه اتحاد يجمع المسلمين على كلمة واحدة، ولكن هذا الأمر ليس بالصحيح فإن هذه المؤسسة رأيها لا قيمة لها وهي جزء من تنظيم الإخوان المسلمين، ومدرجة على قوائم الإرهاب، مشيرًا إلى أن المسلم الذي يفهم الجهاد بمعناه الحقيقي لا بد أن ينظر إلى واقع الأمة اقتصاديا وعسكريا حتى لا يؤدي الأمر إلى خراب فوق الخراب.

بين فقه الواقع والثقة في القيادة السياسية
وأضاف أستاذ الفقه المقارن أن الجهاد له شروط وأركان ومقاصد لا بد من تحقيقها، وعلى رأسها أن لا تترتب عليه مفسدة أعظم من مفسدة ترك الجهاد، مؤكدًا أن من بقول بهذا الأمر لا يعي فقه الواقع، ولا يدرك حكمة تشريع الجهاد ووقته، وهو أمر لا ينبغي أن يكون بهذه السهولة وليس من حق أي جهة أو جهة أن تتصدر له، مشيدا ببيان دار الإفتاء المصرية مؤكدا أنه وضع الأمور في نصابها بما يفيد المسلم الذي يريد أن يفيد أهل غزة أنفسهم، وأن مساعدتهم ينبغي معها شيء من الحكمة لا أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة معاهم، مؤكدا على ثقته في جهود الرئيس عبد الفتاح السيسي الحثيثة حول إيقاف وقف إطلاق النار، وإعادة إعمار غزة من بطش الاحتلال.
الإفتاء وواقع الأمة
من جهته قال د. محمد وسام خضر أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية إن مصر منذ بداية حرب فلسطين إلى يومنا هذا وهي أكثر الدول معنية بهموم الأشقاء هناك، وجهود الدولة لا تخفى على أحد في العالم كله، مشيرًا إلى أن الاندفاع وعدم المسؤولية الذي قال به “علماء المسلمين” يمثل نفسه فقط، مؤكدًا على ضرورة التحلي بالحكمة والبصيرة والعلم، والسماع لصوت العقل الذي جاء في بيان دار الإفتاء المصرية فهو أقرب ما يكون للواقعية والمنطق والإدراك الجيد لواقع الأمة.
وأضاف في تصريح خاص لجريدة “اليوم” أن دعم الشعب الفلسطيني واجب علينا، ولكن هذا لا يتأتى إلا بنظر وحكمة وقف رؤية الدولة الشرعية والقيادة السياسية، وليس عبر بيانات مجهولة المصدر ولا تمثل أي مصدر للثقة.

حفظ النفس.. والثقة في إفتاء مصر
وأوضح أمين الفتوى أن الشريعة الإسلامية إنما جاءت لتحافظ على النفس لا أن تلقي به إلى التهلكة، مؤكدًا أن من ينظر إلى هذا الأمر ليجد أن الفتوى فيه بالخروج للجهاد تعمق من الأزمة؛ إذ لا بد من السماع لصوت العقل والنظر إلى الواقع الأمة.
وناشد أمين الفتوى الشباب باعتبارهم أمل المستقبل أن لا ينجرفوا وراء الشعارات الرنانة التي تضعف ثقتهم بدار الإفتاء المصرية، مؤكدا أنها مؤسسة رسمية يحتفى بها في العالم كله، وبها علماء ثقات يدرسون الكلمة قبل أن تخرج إلى النور، أما ما صدر عن هذا الاتحاد ومن جر ذيله فهي دعوة للفوضى والإفساد في الأرض، وهذا لن يكون.
