شهادة من الداخل.. الضويني يكشف أسرار شخصية الإمام الطيب في ذكرى الثمانين

تقرير:مصطفى علي
في ذكرى ميلاد الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، التي توافق السادس من يناير، لم تكن المناسبة احتفالًا عابرًا بعامٍ جديد يُضاف إلى سجل العمر، بقدر ما تحولت إلى لحظة تأمل عميقة في مسيرة رجلٍ تجاوز أثره حدود المؤسسات والجغرافيا، ليصبح رمزًا عالميًا للحكمة والاعتدال والسلام.
وبقلم شاهدٍ من الداخل، كتب الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، شهادة إنسانية وفكرية نادرة، نقل فيها صورة الإمام الطيب كما عرفه عن قرب، لا من خلف المنصات، بل من جوار التجربة اليومية، ومن قلب العمل المشترك، ومن مساحات الصمت التي تصنع القادة الكبار.
«ثمانون عامًا».. العمر ليس رقمًا بل نهر عطاء
يستهل الدكتور الضويني حديثه برؤية فلسفية لمعنى العمر، مؤكدًا أن الثمانين عامًا في حياة الإمام الطيب لا تُقاس بالسنين، وإنما تُقاس بما راكمه من عطاء متدفق، وبما زرعه من قيم، وبما ثبّته من مواقف.
فالإمام كما يصفه لم يكن نتاج صدفة تاريخية، بل ثمرة تربة إنسانية وأخلاقية نادرة، خرج منها كما يخرج الشجر الطيب من أرضٍ طيبة، يحمل في جذوره السلام، وفي فروعه الإصلاح، وفي ظلاله الأمان.
القرنة وساحة آل الطيب.. الجذور الأولى لصناعة الحكمة
يعود وكيل الأزهر في شهادته إلى الجذور الأولى، إلى مدينة القرنة في صعيد مصر، تلك الواحة الممتدة التي لم تكن مجرد مسقط رأس، بل بيئة كاملة شكّلت الوعي والسلوك والمنهج.
هناك، في ساحة آل الطيب، تشكلت أولى ملامح الشخصية؛ ساحة لم تُعرف يومًا كمكان جامد، بل كفكرة حية، ومؤسسة إنسانية مفتوحة، يلجأ إليها المظلوم، ويحتكم فيها المتخاصمون، ويجد فيها الفقير كرمًا لا يُسأل عن هوية أو انتماء.
ويؤكد الضويني أن زيارته لتلك الساحة لم تُدهشه بقدر ما أكدت له أن خروج هذه القامة العالمية من تلك الأرض كان أمرًا طبيعيًا؛ فحيث يكون العدل عبادة، والإصلاح رسالة، وحقن الدماء مبدأً، لا بد أن يولد قائد يرى الإنسانية بعين القلب قبل العقل.
من صعيد مصر إلى الأزهر الشريف.. تَشكُّل العالم والإنسان
بانتقال الإمام الطيب إلى الأزهر الشريف، بدأت مرحلة جديدة من التكوين، حيث وجد في الأزهر بوصلته العلمية والروحية، وتشكل وعيه على موائد التراث الأزهري العميق، دون انغلاق أو جمود.
يشير الضويني إلى أن الإمام الطيب لم يتعامل مع التراث بوصفه حائط صد أمام العصر، بل بوصفه جسرًا لفهمه وتهذيبه، فجمع بين أصالة المنهج ووعي اللحظة، وبين ثبات القيم ومرونة الوسائل
قيادة بلا ضجيج.. الأزهر في عهد الإمام الطيب
يؤكد وكيل الأزهر أن الحديث عن إنجازات الإمام الطيب المؤسسية، رغم أهميته، ليس هو جوهر الشهادة في هذه المناسبة.
فما تحقق في عهده من تطوير للصروح العلمية، وبناء المؤسسات، وترسيخ دور الأزهر عالميًا، ومواقفه الواضحة في نصرة الفقراء، والدفاع عن حقوق المرأة، والوقوف إلى جانب الضعفاء، ومساندة قضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين وغزة، أصبح محفوظًا في ذاكرة الوطن والعالم.
لكن الأهم كما يرى هو نموذج القيادة ذاته؛ قيادة لا تبحث عن الصخب، ولا تتغذى على الأضواء، بل تُدار بالحكمة، ويقودها الاتزان، وتستمد قوتها من الثبات على الحق.
رجل نادر.. حين تتقدم الحكمة على الصوت
في توصيف إنساني عميق، يرسم الدكتور الضويني صورة رجلٍ تتقدم حكمته على صوته، وتسبق إنسانيته موقعه، ويعلّم من حوله أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بعمق الأثر.
فالإمام الطيب كما يراه مثال للقوة الهادئة، التي لا ترفع صوتها إلا حين يجب، ولا تتراجع عن الحق مهما اشتد الضغط.
ماذا تعلّم الضويني من شيخ الأزهر؟
يخصص وكيل الأزهر جزءًا مهمًا من شهادته للحديث عما تعلمه شخصيًا من الإمام الأكبر، وهي دروس تتجاوز حدود الوظيفة إلى عمق الفكرة:
أن العالم الحق لا يُخاصم عصره ولا يذوب فيه، بل يهذّبه.
أن الحوار ليس تنازلًا عن الثوابت، بل أرقى وسائل الدفاع عنها.
أن الصمت في موضع الحكمة أبلغ من ألف خطاب.
أن تواضع العالم رفعة لا انكسار.
وأن جبر الخواطر عبادة خفية لا تقل شأنًا عن أعظم الأعمال.
كما يشير إلى كرمٍ خاص لا يُقاس بما يُعطى ماديًا، بل بما يزرعه في النفوس من طمأنينة وأمان، وإلى شخصية هادئة الحضور، عميقة الأثر، معتزة بإنسانيتها قبل أي اعتبار آخر.
ثبات على قضايا الأمة.. بلا مساومة ولا ضجيج
يرى الضويني أن الغيرة الصادقة على الدين والوطن كانت ولا تزال سمة أساسية في مواقف الإمام الطيب، حيث ظل ثابتًا تجاه قضايا الأمة، لا يساوم على الحق، ولا ينجر إلى المزايدات، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة، حين تخرج في وقتها، تكون أبلغ من أي ضجيج.
وثيقة الأخوة الإنسانية.. لحظة فارقة في التاريخ المعاصر
ومن أبرز المحطات التي يتوقف عندها التحقيق، الدور العالمي للإمام الطيب في ترسيخ السلام الإنساني، من خلال توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية مع قداسة بابا الكنيسة الكاثوليكية، وهي الوثيقة التي وصفها الضويني بأنها نقطة تحول كبرى في المسار الإنساني الحديث.
كما يشير إلى تأسيس «بيت العائلة المصرية» مع الكنيسة المصرية، حفاظًا على وحدة النسيج الوطني، وإلى إعادة جسور الحوار بين الشرق والغرب بعد قطيعة طويلة، حتى أصبحت أفكار الإمام الطيب حاضرة في عواصم العالم بوصفها صوت العقل في زمن الاضطراب.



