
تقرير: سمر صفي الدين
يمثل إعلان إسرائيل الاعتراف بما يسمى «جمهورية أرض الصومال» أو صومالي لاند، تطورًا بالغ الخطورة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة، وهي منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. بما يحمله من تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الأمن القومي المصري، وعلى منظومة الأمن العربي والإفريقي ككل.
فالخطوة لا يمكن فصلها عن صراع النفوذ الدولي في الممرات البحرية الحيوية، ولا عن تاريخ طويل من محاولات تفكيك الدول الضعيفة وإعادة رسم خرائطها السياسية بما يخدم مصالح قوى خارجية.
موقع جغرافي يتحكم في شريان التجارة
تكتسب أرض الصومال أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي الفريد المطل على خليج عدن وباب المندب، نقطة الالتقاء بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، والتي تمثل أحد أهم مفاتيح السيطرة على حركة التجارة العالمية المتجهة نحو قناة السويس.
ويعني أي وجود أجنبي منظم، خاصة إذا اتخذ طابعًا عسكريًا أو أمنيًا، امتلاك قدرة مباشرة على الضغط على هذا الشريان الحيوي، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد المصري وأمنه البحري.
ومن هذا المنطلق، ينظر إلى الاعتراف الإسرائيلي باعتباره خطوة تتجاوز البعد السياسي، لتلامس جوهر معادلة الأمن في البحر الأحمر. وهي المعادلة التي تعاملت معها مصر تاريخيًا باعتبارها خطًا أحمر لا يسمح بتجاوزه، خصوصًا فيما يتعلق بإقامة قواعد عسكرية لدول غير مطلة على البحر.

قراءة تاريخية لجذور التحرك
وفق رؤية اللواء محمد عبد الواحد، مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية، فإن ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة. بل هو امتداد لمسار بدأ منذ تسعينات القرن الماضي، في ذروة انهيار الدولة الصومالية عقب الحرب الأهلية.
ويؤكد اللواء عبد الواحد أنه عايش تلك المرحلة عن قرب، والتقى بقيادات من إقليم صومالي لاند. حيث كانت فكرة الانفصال راسخة في العقلية السياسية للإقليم، وتحظى بدعم خارجي غير معلن.
كما يشير إلى أن إسرائيل كانت في مقدمة الأطراف التي دعمت هذا التوجه في الخفاء. عبر قنوات اتصال على المستوى الاستخباري، مستغلة حالة الفوضى والانهيار في جنوب الصومال، خاصة في مقديشو.
وفي الوقت الذي بدأ فيه الإقليم يفرض حالة من الاستقرار النسبي. معتمدًا على تصدير المواشي واستغلال موارده المحلية، تحوّل إلى محطة أطماع إقليمية ودولية متزايدة.

أطماع إقليمية وتقاطعات دولية
لم تكن إسرائيل وحدها الحاضرة في مشهد صومالي لاند، إذ شهدت تلك الفترة اتصالات إثيوبية مكثفة. وصلت إلى حد طرح فكرة إنشاء ميناء إثيوبي خالص، يضم شقًا تجاريًا وآخر عسكريًا. مقابل فتح خطوط تجارة تمتد من الإقليم إلى أديس أبابا.
كما ظهرت مؤشرات على اهتمام غربي متزايد بالإقليم، سواء عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة أو من خلال أجهزة استخبارات.
ويرى اللواء عبد الواحد أن هذا المشهد يعكس نمطًا متكررًا في القرن الإفريقي، حيث يتم استغلال الهشاشة السياسية والصراعات الداخلية لإنتاج كيانات انفصالية. كما حدث سابقًا في انفصال إريتريا عن إثيوبيا، ثم انفصال جنوب السودان عن السودان. وهو ما يؤكد أن الإقليم يُعد من أكثر مناطق العالم هشاشة خلال العقود الأربعة الماضية.
اختراق معادلة البحر الأحمر
يأتي الاعتراف الإسرائيلي في توقيت بالغ الحساسية، تشهد فيه منطقة البحر الأحمر تصعيدًا أمنيًا غير مسبوق، في ظل الحرب على غزة، والتوترات المرتبطة باليمن، وتزايد عسكرة الممرات البحرية.
ويمثل هذا التحرك محاولة إسرائيلية واضحة لوضع قدم دائمة في جنوب البحر الأحمر، بما يكمل حضورها في شماله عبر ميناء إيلات، وهو ما يخلق واقعًا استراتيجيًا جديدًا يخل بتوازنات الأمن الإقليمي.
ومن منظور مصري، فإن وجود إسرائيل في طرفي البحر الأحمر يمنحها قدرة ضغط غير مسبوقة على حركة الملاحة. ويضاعف من المخاطر المحتملة على قناة السويس. التي تعتمد في استقرارها على أمن الممرات البحرية الممتدة من باب المندب حتى البحر المتوسط.
حزام تهديد ممتد
على صعيد آخر، يحذر اللواء محمد عبد الواحد من أن أخطر ما في المشهد الحالي هو تشكل حزام جيوسياسي معادٍ للأمن القومي العربي. يمتد من غرب السودان مرورًا بإثيوبيا وصولًا إلى صومالي لاند، بدعم إسرائيلي مباشر أو غير مباشر.
ويرى أن هذا الحزام لا يهدد مصر وحدها، بل يعمل على عزل المنطقة العربية عن عمقها الإفريقي، ويقوض أي محاولات لبناء منظومة تعاون إقليمي متوازنة.
كما يربط اللواء عبد الواحد بين ما يجري في الصومال وتطورات الأوضاع في السودان وإثيوبيا. معتبرًا أن الصراعات المسلحة ومحاولات فتح ممرات نفوذ جديدة ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تستهدف إعادة هندسة الإقليم بما يخدم مصالح قوى خارجية.




