مجلس حكماء المسلمين: تهويد الحرم الإبراهيمي عدوان على المقدسات وعبث بالوضع القائم

تقرير:مصطفى علي
في خطوة أثارت غضبًا واسعًا في الأوساط الإسلامية والدولية، أدان مجلس حكماء المسلمين، برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، المخططات الإسرائيلية الرامية إلى انتزاع سلطة إدارة الحرم الإبراهيمي الشريف من الجهات الفلسطينية المختصة، ونقلها إلى ما يُعرف بـ”المجلس الديني اليهودي في مستوطنة كريات أربع”، إحدى أبرز البؤر الاستيطانية في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.
وأكد المجلس، في بيان رسمي، رفضه القاطع لهذه الخطوة التي وصفها بـ”الاستفزازية”، محذرًا من خطورتها على جهود تحقيق الاستقرار، واعتبرها تعديًا صارخًا على الوضع القانوني والتاريخي القائم في أحد أقدس المقدسات الإسلامية.
كما طالب باحترام الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في المواقع الدينية، التي لطالما كانت محط توافقات دولية واتفاقيات تضمن احترامها وحمايتها من العبث والتغيير القسري.
النداء الأخير: دعوة لحماية المقدسات وإنهاء معاناة الفلسطينيين
وفي سياق موازٍ، جدّد مجلس حكماء المسلمين مناشدته للمجتمع الدولي لتحمُّل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، داعيًا إلى تحرك عاجل يحول دون العبث بمكانتها الدينية والتاريخية، لا سيّما في ظل ما وصفه بـ”الصمت الدولي المريب” إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من انتهاكات متواصلة منذ أكثر من سبعة عقود.
ودعا المجلس، في بيانه، إلى الوقف الفوري للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وضرورة فتح ممرات إنسانية آمنة لإدخال المساعدات الطبية والإغاثية دون عوائق.
كما أكد على ضرورة الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.
تفكجي: الاحتلال يوظف البعد الديني لخدمة المشروع الاستيطاني
من جهته، اعتبر الدكتور خليل تفكجي، مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق، أن قرار الاحتلال بنقل إدارة الحرم الإبراهيمي إلى مجلس ديني استيطاني لا ينفصل عن استراتيجية تهويدية أوسع، ترتكز على توظيف الرموز الدينية في خدمة المشروع الصهيوني الاستيطاني.
وقال تفكجي في مداخلة تلفزيونية: “تعتبر إسرائيل مدينة الخليل من أقدس المدن اليهودية بعد القدس، وتستند في ذلك إلى مزاعم توراتية تتعلق بوجود قبور الأنبياء، مثل النبي إبراهيم وزوجته سارة وهي تسعى إلى فرض هذا التفسير الديني على الجغرافيا، وتحويله إلى أمر واقع بقوة الاحتلال”.
وأضاف أن الخطوة الأخيرة لا يمكن فصلها عن التحولات السياسية داخل إسرائيل، في ظل تصاعد نفوذ التيار الديني القومي المتطرف، بقيادة حكومة بنيامين نتنياهو، التي تستغل الانشغال الدولي بعدة أزمات إقليمية ودولية، لتمرير مخططاتها دون مقاومة حقيقية من القوى الكبرى.
جذور السيطرة: من أوسلو إلى التهويد الكامل
في قراءته الخلفية التاريخية، كشف تفكجي أن السيطرة التدريجية على الحرم الإبراهيمي بدأت فعليًا بعد مجزرة الحرم عام 1994، عندما قتل المستوطن باروخ غولدشتاين 29 فلسطينيًا أثناء أدائهم صلاة الفجر. وقال إن اتفاق أوسلو، رغم إقراره مسؤولية وزارة الأوقاف الفلسطينية عن إدارة الشؤون الدينية في الموقع، إلا أنه منح سلطات الاحتلال صلاحيات أمنية واسعة مكّنتها لاحقًا من تكريس وجودها العسكري والسياسي داخل الحرم.
وأوضح أن الاحتلال اعتمد على سياسة “الخطوة تلو الأخرى”، عبر فرض الحواجز، وتقسيم المكان زمانيًا ومكانيًا، ومنع الأذان في بعض الأوقات، ثم سحب تدريجي لصلاحيات الوقف الإسلامي لصالح مجالس استيطانية يهودية. ولفت إلى أن هذا التحول المتدرج يأتي ضمن سياسة أشمل ترمي إلى عزل البلدة القديمة في الخليل، وتحويلها إلى “غيتو” مغلق تحكمه قرارات عسكرية ومجالس استيطانية.
استغلال الصمت الدولي: دعم أمريكي وتغاضٍ دولي
وأشار تفكجي إلى أن تنفيذ القرار جاء في توقيت بالغ الخطورة، حيث تستغل الحكومة الإسرائيلية اليمينية تصاعد التوترات الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لتثبيت سيطرة الأمر الواقع في الخليل وغيرها.
وأضاف أن هذه الخطوات تحظى بدعم من بعض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تواصل تقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي لإسرائيل، رغم ما ترتكبه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
وأكد أن المجتمع الدولي، بمؤسساته ومنظماته، يقف عاجزًا عن التصدي لتلك الانتهاكات، سواء في القدس أو في الخليل، حيث تتعرض المقدسات الإسلامية والمسيحية لحملات تهويد وتزوير مستمرة، تهدف إلى محو الطابع العربي والإسلامي للمدن الفلسطينية.
تحذيرات من إشعال فتيل صراع ديني أوسع
وفي تحذير لافت، أشار مجلس حكماء المسلمين إلى أن استمرار هذه السياسات الإسرائيلية يهدد بإشعال فتيل صراع ديني خطير في المنطقة، ويدفع نحو مزيد من العنف والتطرف، في وقت تسعى فيه الشعوب إلى السلام والتعايش.
وشدد على أن انتهاك حرمة المقدسات ليس مجرد اعتداء على حجر أو موقع أثري، بل هو استفزاز مباشر لمشاعر ملايين المسلمين حول العالم، وانتهاك صريح للمواثيق الدولية واتفاقيات جنيف التي تحظر العبث بالمواقع الدينية في الأراضي المحتلة.
صراع الهوية على أبواب الخليل
إن ما يجري اليوم في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل ليس مجرد نقل إداري أو تغيير في لافتة جهة الإشراف، بل هو جزء من معركة أعمق تمس الهوية والتاريخ والحق الديني والسياسي لشعبٍ يقاوم منذ عقود والسكوت عن هذا التغيير لا يقل خطرًا عن الفعل ذاته، فالمعركة الدائرة على أرض فلسطين لم تعد فقط حول الأرض، بل حول المعاني والدلالات والحقوق التاريخية والروحية التي يسعى الاحتلال لمحوها، حجرًا بعد حجر.