أمن الطاقة في زمن الاضطراب: لماذا يجب أن تصبح المخلفات جزءًا من استراتيجية الدولة؟

بقلم: الأستاذ الدكتور تامر محمد إسماعيل أستاذ الطاقة بكلية الهندسة جامعة قناة السويس

لم يعد أمن الطاقة في عالم اليوم مسألة ترتبط فقط بامتلاك النفط أو الغاز أو بوجود محطات كهرباء كبيرة قادرة على تلبية الطلب في الظروف العادية. فالأحداث المتلاحقة في السنوات الأخيرة أثبتت أن الطاقة أصبحت في قلب الصراعات والأزمات، وأن الدول قد تتعرض لتهديد حقيقي في قدرتها على توفير الحد الأدنى من الكهرباء والوقود والحرارة اللازم لاستمرار الحياة اليومية، حتى لو كانت تمتلك موارد كبيرة أو بنية تحتية واسعة.

لقد كشفت التطورات الأخيرة في أكثر من منطقة من العالم أن الخطر لم يعد قاصرًا على الدول المستوردة للطاقة فقط، بل أصبح يطاول أيضًا الدول المنتجة عندما تتعرض الحقول أو الموانئ أو المصافي أو خطوط النقل أو الممرات البحرية الحاكمة للتعطيل أو التهديد. وفي المقابل، فإن الدول غير المنتجة قد تجد نفسها في مواجهة أزمة لا تقل حدة إذا تعطل الاستيراد أو ارتفعت التكلفة أو انقطعت طرق الوصول. المعنى هنا واضح: لم يعد الفارق الحقيقي بين دولة منتجة وأخرى غير منتجة، بل بين دولة تملك منظومة طاقة مرنة وأخرى تعتمد على بنية هشة لا تحتمل الصدمة.

وهنا تبرز قضية شديدة الأهمية، ربما لم تنل ما تستحقه من الاهتمام في النقاش العام، وهي أن المخلفات لم تعد مجرد عبء بيئي أو خدمي يجب التخلص منه، بل يمكن أن تصبح موردًا داخليًا حقيقيًا يدعم أمن الطاقة. فالدولة التي تنظر إلى المخلفات بوصفها ناتجًا عديم القيمة تخسر مرتين: مرة لأنها تتحمل أعباء التخلص منها، ومرة لأنها تهدر موردًا يمكن أن يسهم في إنتاج الطاقة والوقود والحرارة والمواد المفيدة.

المخلفات البلدية، وبقايا الطعام، والمخلفات الزراعية، والحمأة، والزيوت المستعملة، والإطارات، وبعض أنواع البلاستيك غير القابل لإعادة التدوير، كلها تمثل في مجموعها رصيدًا داخليًا يمكن، إذا أُحسن فرزه وإدارته، أن يدخل في إنتاج الغاز الحيوي، أو الوقود البديل، أو الكهرباء، أو الطاقة الحرارية، أو بعض المنتجات الصناعية ذات القيمة. وهذه ليست رفاهية فكرية، بل جزء من منطق جديد في إدارة الموارد: كيف نحول ما كنا نعده مشكلة إلى عنصر من عناصر القوة والمرونة؟

إن أهمية هذا التوجه لا ترجع فقط إلى قيمته الاقتصادية أو البيئية، بل إلى بعده الاستراتيجي. فالمخلفات تُنتج داخل الدولة يوميًا، ولا ترتبط في وجودها بالمضائق البحرية أو الأسواق العالمية أو الناقلات أو خطوط الإمداد الخارجية. ومن ثم، فإنها تمثل موردًا محليًا متجددًا يمكن أن يخفف من الاعتماد على الخارج، ويمنح الدولة قدرة أكبر على حماية الحد الأدنى من الطاقة في الظروف الصعبة.

ولعل القيمة الأهم هنا هي أن الحديث عن المخلفات والطاقة لم يعد مجرد حديث نظري أو أمنيات مستقبلية، فبعض التجارب الإقليمية الحديثة بدأت بالفعل في الانتقال من فكرة إدارة المخلفات إلى فكرة استرداد الطاقة والمواد منها، ضمن أطر تشغيلية ومؤسسية واضحة. وفي بيئات عربية وإفريقية معاصرة، لم تعد المخلفات تُرى فقط بوصفها عبئًا حضريًا أو بيئيًا، بل بوصفها موردًا يمكن أن يدخل في منظومة الإمداد المحلي، وقد دخلت بعض عناصر هذا المسار بالفعل طور التشغيل، بينما تُستكمل عناصر أخرى على المستوى الفني والتنظيمي والاستثماري. وهذه الخبرات، حتى دون الإفراط في الحديث عنها، تؤكد أن الطريق ليس مغلقًا، وأن ما نناقشه اليوم قابل للتنفيذ العملي وليس مجرد طرح نظري.

لكن من المهم هنا أن نكون واضحين: تحويل المخلفات إلى طاقة ليس دعوة عشوائية لحرق كل ما يمكن حرقه، وليس مبررًا لإهمال قواعد الإدارة الرشيدة للمخلفات. فالأصل أن يُعطى التخفيض وإعادة الاستخدام والتدوير الأولوية، ثم يُوجَّه الجزء المتبقي الذي لا يصلح للاستفادة المادية الاقتصادية إلى مسارات الاسترداد الطاقي أو الوقودي وفق ضوابط بيئية صارمة. فالدولة لا تبني أمنها الطاقي على حساب صحة مواطنيها أو سلامة بيئتها.

كما أن نجاح هذا المسار يتطلب شرطًا أساسيًا: الفرز. فلا يمكن الحديث عن استرداد طاقي فعال وآمن من دون فصل جيد للمكونات العضوية، والمواد القابلة للتدوير، والمواد الخطرة، وبقية المكونات. وكلما كانت منظومة الفرز والتجميع والتصنيف أكثر كفاءة، زادت القيمة التي يمكن استعادتها من المخلفات، سواء في صورة غاز أو وقود أو حرارة أو مواد أولية.

ومن زاوية أمن الطاقة، فإن ما تحتاجه الدولة ليس فقط “إنتاج طاقة” بالمعنى العام، بل ضمان الحد الأدنى الذي لا يجوز انقطاعه. فهناك مرافق وخدمات لا يمكن السماح بتوقفها: المستشفيات، ومحطات المياه، والصرف الصحي، والاتصالات، وسلاسل الغذاء، وبعض الخدمات البلدية والأمنية. وفي مثل هذه المجالات، قد لا تكون المخلفات بديلًا كاملًا عن النظام الوطني للطاقة، لكنها قد تكون عنصرًا مهمًا في تأمين جزء من الاحتياجات أو دعم بعض الأحمال الحيوية أو تخفيف الضغط عن الوقود التقليدي.

وهذه النقطة تقودنا إلى لب القضية: أمن الطاقة في المستقبل لن يتحقق فقط عبر زيادة الإنتاج من المصادر التقليدية، بل عبر تنويع القاعدة التي يستند إليها النظام كله. أي عبر مزيج من الوقود التقليدي، والطاقة المتجددة، ورفع الكفاءة، وتحسين التخزين، وتوزيع مصادر التوليد، وحماية البنية التحتية، وتعبئة الموارد المحلية غير التقليدية، وعلى رأسها المخلفات. فالدولة التي تبني نظامها على مورد واحد أو مسار واحد أو منشأة واحدة تظل أكثر عرضة للهشاشة، أما الدولة التي توزع المخاطر والبدائل والموارد فتمتلك قدرة أعلى على الصمود.

ومن هنا تصبح اللامركزية ضرورة وطنية لا مجرد اختيار فني. فالمدينة التي تُربط حياتها كلها بمحطة كبرى واحدة أو مسار إمداد وحيد قد تتحول، إذا وقع التعطل أو الاستهداف، إلى جسد ميت تنطفئ فيه الخدمات وتتوقف فيه حركة الحياة. ولهذا ينبغي أن تتجه الدولة إلى بناء قدرة موزعة، بحيث تستطيع كل محافظة أو إمارة أو ولاية أن تؤمن جزءًا معتبرًا من احتياجاتها من الطاقة وفقًا لوضعها الجغرافي، ومساحتها، وكثافتها السكانية، ومواردها المتاحة، سواء من المخلفات أو الشمس أو الرياح أو غيرها من المصادر المحلية. إن الدرس الأهم الذي تكشفه أزمات العصر هو أن الانبهار بالمشروعات الأكبر ليس دائمًا هو الطريق الأضمن؛ ففي أوقات الخطر لا تنقذنا المنشآت العملاقة وحدها، بل تنقذنا كذلك الشبكات الصغيرة الذكية المنتشرة على الأرض. نحن، في الحقيقة، في احتياج إلى الأقزام أكثر من احتياجنا إلى العمالقة، لأن الأقزام هم الذين يضمنون استمرار الحياة حين تتعرض الأجسام الكبرى للاهتزاز.

لقد دخل العالم مرحلة لم يعد فيها السؤال: “هل نملك الطاقة؟” بل أصبح السؤال الأدق: هل نستطيع الحفاظ على استمرارها حين يقع الاضطراب؟ وهنا تحديدًا تكتسب المخلفات أهميتها الجديدة. فهي ليست مجرد ملف نظافة أو بيئة أو إدارة محلية، بل جزء من معادلة أكبر تمس الأمن الاقتصادي والخدمي والاستراتيجي للدولة.

إن المطلوب اليوم هو أن تُدمج المخلفات في التفكير الوطني الخاص بأمن الطاقة، لا أن تبقى ملفًا معزولًا داخل الإدارات الخدمية. المطلوب أن تُعامل باعتبارها موردًا داخليًا يجب حصره، وتصنيفه، وتخطيط أفضل سبل الاستفادة منه، وربطه باحتياجات الدولة الفعلية، خاصة في أوقات الأزمات. والمطلوب أيضًا أن يتحول النقاش من مجرد التخلص من المخلفات إلى حسن توظيفها ضمن رؤية أشمل للمرونة الوطنية.

خلاصة الأمر أن أمن الطاقة لم يعد مرادفًا لامتلاك الوقود فقط، بل لإمتلاك القدرة على الاستمرار. وفي هذا السياق، فإن المخلفات، إذا أُديرت بعقل علمي ورؤية استراتيجية، يمكن أن تتحول من عبء صامت إلى قوة داعمة، ومن مشكلة يومية إلى رصيد وطني، ومن ملف خدمات إلى أحد عناصر حماية الدولة في زمن تتزايد فيه الاضطرابات ويقل فيه اليقين.

 

المراجع

وكالة الطاقة الدولية (IEA)، موضوع أمن الطاقة، وتقارير مرونة النظام الطاقي، وأمن الطاقة في أوكرانيا، واللامركزية، والغاز الحيوي والبيوميثان.

إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، بيانات اضطرابات مضيق هرمز والتوقعات قصيرة الأجل لأسواق النفط.

مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، مراجعة النقل البحري 2025 وآثار اضطرابات البحر الأحمر والمضائق البحرية.

البنك الدولي، تقارير What a Waste، وأدلة المرونة والأمن السيبراني للبنية التحتية الحرجة.

برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ، Global Waste Management Outlook 2024 وإرشادات الاسترداد الطاقي والتدوير والاقتصاد الدائري.

 

عن إسلام عبد الرحيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *