الرئيسيةعرب-وعالم

إبراهيم آدم لليوم 2: لتركيا حق الاستثمار بالسودان طالما تحترم سيادته

حوار: مروة محي الدين

في إطار تعزيز تركيا نفوذها في إفريقيا والشرق الأوسط، جاء تدخلها القوى في دعم الجيش السوداني، الذي يقتصر حتى الآن على استخدام مسيراتها الفاعلة منخفضة التكلفة، أداة لتحقيق مصالحها؛ وذلك في ظل الحاجة الحقيقية للسودان لمثل هذا الدعم، التي عرضنا أبعاده ومحاوره في الحلقة الماضية من حوار الدكتور “إبراهيم محمد آدم”- أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري، لموقع اليوم.

نستكمله في السطور التالية، حول ما يمكن لتركيا أن تجنيه من هذا الدعم، في ساحة منافسة دولية، الرابح فيها من يدعم أهل السودان، ملقيًا بطوق النجاة إليهم، من الحصار والمجاعة، وظروف إنسانية تنوء بحملها الجبال، وما إذا كانت تركيا قد اختارت ترك موقع الوسيط المحايد إلى الداعم المباشر؟

انحياز ينفي الحياد

  • دكتور “آدم”: كان للرئيس التركي تصريح سابق، أكد فيه دعم وحدة السودان وسيادته، ووقوفها على مسافة واحدة من جميع أطراف الصراع، بينما تدعم القوات المسلحة التركية بشكل صريح، فهل تخلت عن حيادها المعلن بانحياز صريح؟

بالطبع حدث ذلك، إذ أنه في بداية الصراع، كثر اللغط حوله، فنظرت إليه كثير من الدول باعتباره صراع بين مجموعتين متكافئتين، حيث كانت ميليشيا الدعم السريع جزءًا من الجيش؛ ولكن بعد سنتين من الصراع، تكشفت الأمور بصورة واضحة، ليظهر وقوف جهات دولية كثيرة وراءه، من بينهما: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والأمارات؛ تلعب فيه الأمارات دور المقاول المنفذ، والدعم السريع هو الأداة لتنفيذ مشروعهم؛

أما تركيا فهي الدولة المسلمة الصديقة، التي كانت يومًا حاكمة للسودان في عهد الخلافة العثمانية، وشعرت بالتزامها ناحية السودان، التي لديها هي الأخرى التزامات تاريخية تجاه حليفتها، فهي من أغني دول العالم بالموارد الطبيعية؛ وكل التكالب الذي حدث عليها، كان بسبب خيراتها ومواردها الطبيعية؛ لكن تركيا تركيا سعت لإنقاذ السودان مقابل تبادل المنافع، والتعاون المشترك على كافة الوجوه.

  • من واقع سعي تركيا للاستفادة، لما لا يكون تدخلها في السودان جزء من إستراتيجية تعزيز نفوذها بإفريقيا؟

هو كذلك بالفعل، جميع العلاقات الدولية مبنية على المصالح، فإذا كان السودان بالنسبة لتركيا يمثل غاية الانطلاق نحو إفريقيا، وهي التي حققت انتشارًا من إيران في الشرق حتى أقصى غرب افريقيا، فليس ثمة ما يمنع تدخلها في السودان، لتحقيق مصالحها ومصالح السودان.

وسطاء مشاركون

  • على الرغم من إبداء تركيا استعدادها للوساطة بين أطراف الصراع، راحت تقدم الدعم للقوات المسلحة السودانية، ألا ترى أن هذا الدعم يقوض دور الوساطة لحل الصراع؟ 

السودان الآن ليس بحاجة إلى وساطة، إنما يحتاج إلى دعم من الأصدقاء، لأن التوسط أمر غير جائز مع مع هذه الميليشيا، التي نشاهد على وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا ما ترتكبه من فظائع، الأصل فيما يحدث أنه تمرد عسكري، يُحسم عسكريًا إن حدث في أي دولة من الدول المحترمة، دون الحاجة إلى وساطة، ومثال ذلك: تركيا نفسها، حين بدأ حزب العمال الكردستاني عملياته العسكرية، قبل 60 سنة، تعاملت معه عسكريًا دون وساطات خارجية، حتى سلم الحزب سلاحه لمؤسسات الدولة؛

وكل دولة ذات سيادة لا ترضى مثل هذه التدخلات، لأن أي تدخل لن يكون حميدًا، وفي السياسة بصفة عامة كل وسيط يكون لديه أهداف خفية من وراء الوساطة، لذا لا تقبل الدول القوية بالوساطات والتدخلات، ومن هنا يتعين على السودان باعتبارك دولة محترمة أن يرفض أي وساطة، ليتعامل مع الموقف بالحسم العسكري وحده، حتى ينتهي لصالح السودان.

  • وماذا عن إعلانها التوسط للمصالحة بين الإمارات التي تدعم المليشيا والسودان؟

هذا الأمر طرح من قبل ستة شهور، ورفضه السودان، حيث لا يريد أي وساطة مع الإمارات، فكيف يكون الخصم حكمً ومن الأمور الغربية جدا أن تبقي على عضويتها في الرباعية الدولية، وهي الداعم الأساسي للمليشيات كما الولايات المتحدة داعمًا لها، ثم يعلنون أنهم وسطاء للحل…! كيف للخصم أن يكون وسيطًا؟

لكت للأسف هكذا السياسة الدولية، يضرب الضعيف فيها من جميع الجهات، ولأن السودان في وضع ضعيف، ترغب كل دولة أن تملي شروطها عليه، وتأخذ نصيبها من خيراته.

مصالح تركيا 

  • ما المنافع التي تعود على تركيا من دعمها السودان؟ 

هناك العديد من المنافع التي يمكن أن تجنيها أنقرة من التعاون المشترك، فالسودان يمتلئ بالأراضي الزراعية، عالية الجودة التي ليس لها مثال في أي بلد آخر، ومن هنا يمكن لتركيا أن تستفيد هذه المساحات، في زراعة كافة المحاصيل الاقتصادية، حيث يبلغ حجم الصادرات البستانية اليومية من تركيا  حوالي 250 مليون دولار، وحال استغلت الأراضي الزراعية السودانية، يمكن أن يصل دخل تركيا من الصادرات البستانية في السودان وحده نصف مليار دولار- 500 مليون دولار، وهو ما لا تحققه أية دولة أخرى؛

ولعل هذا السبب الأساسي وراء تكالب الدول على السودان، وإشعال الحروب فيه، فقد تم إشعال الحرب فيه، قبل إعلان استقلاله بعام واحد، ولم تنطفئ حتى الآن، لمنع استقلاله، فانتهوا من الجنوب، ليشعلوا دارفور، ومنها إلى إشعال الحرب في السودان كله.

  • وهل تقتصر المصالح على استغلال الآراضي الزراعية وحدها؟

بل هناك أيضًا موارد طبيعية أخرى، يمكن لأنقرة استغلالها، فحفزة المعادن الموجودة في السودان هي حفرة ذهب، وعلى سبيل المثال دولة مثل روسيا، يشكل 30% من ذهب الصندوق السيادي النقدي فيها، يأتي من 3 دول إفريقية هي: السودان النيجر وبوركينا فاسو، ومعظمه يصل إليها عن طريق التهريب، فيهرب الذهب إلى دول الجوار، ويعاد تصديره منها إلى الدول الأخرى المستفيدة، فالسودان بلد عني بالذهب والنحاس والحديد، والأخير موجود في السودان أكثر من أوكرانيا.

  • إذًا لما لا تكون تركيا تسعى لاستغلال مناجم الذهب السوداني؟ 

طالما الاستثمار شرعيًا، من حق تركيا أن تستثمر في السودان، ومن حق أي دولة ترغب في الاستثمار أن تفعل ذلك وفقًا للمصلحة، وفرنسا واحدة من الدول التي تستثمر في الذهب، منذ 40 عاماً، في منطقة جبيت شرق السودان؛ وبالمثل الولايات المتحدة تستثمر في شركة أرامكو السعودية، منذ أكثر من 80 عام؛ فالسودان يفتح أبوابه في إطار المصلحة المشتركة لكل دولة للاستثمار فيه، حيث يمتلك الموارد دون رأس المال، ومن هنا يحق له الاستعانة بأي دولة أخرى للاستثمار في هذه الموارد، والاستثمارات الأجنبية أمر مشروع في كل الدول، طالما في إطار احترام سيادتها، وعليه حين تدخل أنقرة باستثماراتها في السودان، سيخدم ذلك مصالح الطرفين؛ أما الآن فهي تتدخل لحماية السيادة السودانية، لأن سقوط الحكومة المركزية، والمناطق الرئيسية الأخرى، يعني انهيار الدولة تمامًا.

تنافس دولي 

مع سعي تركيا لتعزيز نفوذها في إفريقيا، عبر التدخل في السودان، تظهر أطراف دولية أخرى، تمثل تنافسًا دوليًا، مثل الإمارات والولايات المتحدة ودوّل الاتحاد الأوروبي، باعتبارهم لاعبين أساسيين، في الساحة السودانية، بما قد يمثل عنصر ضغط لى تركيا، حال احتدم الأمر، ومن هنا كان السؤال للدكتور “آدم”:

  • ألا يؤثر هذا التنافس الدولي والاقليمي على قرار تركيا التدخل في السودان؟

لا أعتقد أن تلك الدول يمكنها التأثير على القرار التركي، لأن تدخلها في بلادنا تدخلًا سلبيًا وليس إيجابيًا، وعلى سبيل المثل: كانت الولايات المتحدة أول دولة تستثمر في البترول السوداني، وحين أغلقت الأبار التي كانت تعمل فيها، بطريقة كانت تخيل أنه لا يمكن فتحها ثانية، ولكن بفضل الله تمكنت الصين من فتحها من جديد، ولكن لأسف تلك الأبار كانت من نصيب جنوب السودان عقب انفصاله؛ بيد أنه مازالت هناك فرصة كبيرة للاستثمارات البترولية شمال السودان، حيث توجد فيه شواهد بترولية كثيرة جدا من البحر الأحمر حتى دارفور؛

وبالطبع لا ترغب واشنطن في الاستثمار في السودان، إذ تمثل ثروات السودان لها مخزونًا إستراتيجيًا للأجيال القادمة، ومن هنا تشعل الحروب، منعًا لاستقلاله، واستثماره هذه الخيرات.

  • استمرت تركيا في تقديم الدعم للجيش السوداني، على الرغم من قرار الاتحاد الأوروبي بعدم دعم أي من الأطراف المتحاربة، فهل تضغط أوروبا لإيقاف الدعم التركي للسودان؟

أعتقد أنهم لن يفعلوا ذلك، لأن أوروبا نفسها تدعم هذه المليشيا سرًا، وبالطبع لا يمكن فصل السلسلة السياسية المكونة من: أوروبا والإمارات وإسرائيل وأمريكا، وقد يكون بينهما تبادل للأدوار، ومن هنا تدعم دول الاتحاد بصورة منفردة الدعم السريع، بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الإمارات، وجميع دول أوروبا استعمارية بالأساس، تريد إفريقيا خربة تعمها الفوضى، لتتمكن من سلب مواردها.

  • إذًا هل يقلب التدخل التركي الموازين في وجه داعمي المليشيا من الدول الأخرى؟

بالتأكيد سيفعل، حيث تدعم الولايات المتحدة عن طريق وسطاء، فهي المخرج  والأمارات المنتج، والدعم السريع المنفذ؛ وحين توجد قوة كبيرة تقف إلى جانب القوات المسلحة، فذلك سيغير موازين القوة لصالح السودان.

وبين أمل يلوح لدى أهل البلد الغني المفقر، وتكالب دولي على ثرواته، يبقى بصيص الأمل في تدخل عادل، ينصف أهل البلد، الذين ظلوا الضحية الأولى لكل صراع على أرضه، طالما صمت آذان العالم عن الاستماع لصرخاتهم الملتاعة، وتبقى الآمال والعيون معلقة على حدوثه، الذي لن تفصح عنه مباشرة سوى الأيام القادمة.

إبراهيم آدم لليوم (1): تركيا تدعم السودان عسكريًا وسط خذلان عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى