حوار: مروة محي الدين
وسط ما يجري في السودان، من حروب دموية، وحصار للمدنيين، ومجازر وانتهاكات بحقهم، تحدثت تقارير إعلامية عن عودة المستشارين الأتراك إلى بورتسودان، للإشراف على تشغيل المسيرات تركية الصنع: بيرقدار تي بي 2 وأكينجي، بعد مغادرتهم المدينة مؤقتًا، وهي المسيرات التي سبق وعززت موقف الجيش السوداني الهجومي والدفاعي، في الجزيرة وشنار والخرطوم.
ما دفع بعض المحللين، لترجيح احتمالات توسع العمليات العسكرية، التي تتدخل فيها تركيا، لاسيما مع استئناف عمليات المسيرات من بورتسودان، في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على المناطق الحدودية شمال غرب البلاد، بما يطرح أسئلة عديدة عن الوجود التركي في بلاد الذهب.
ومن هنا توجهنا للدكتور “إبراهيم محمد آدم”- أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري، لتحري حقيقة التدخل العسكري التركي في السودان، في حوار خاص لموقع اليوم، نسرده على عدة محاور في السطور التالية:
التدخل العسكري التركي

- هل ثمة احتمالات بتدخل تركسا عسكريا السودان في ظل الحرب التي تدور رحاها فيه؟
أرى التدخل العسكري التركي يلوح في الأفق، لاسيما وتركيا لها علاقات جيدة مع السودان، قبل الحرب وبعدها، منذ عهد النظام السابق، حيث كان الرئيس التركي “رجب طيب إردوغان” قد زار الخرطوم عام 2018، ووقع عدة اتفاقيات معها، لكن تلك الاتفاقيات لم تر النور، إذ أسقط بعضها بعد نظام الإنقاذ- نظام الرئيس “عمر البشير”، والنظام الذي جاء بعد الإنقاذ، لم تكن علاقاته مع تركيا بمثل قوتها قبله، ومن ثم لم يحدث تحرك كبير في هذه العلاقة.
وأضاف: ولكن بعد أن خذلت كل الدول العربية، عدا جمهورية مصر العربية، السودان، اضطرت البلاد إلى اللجوء إلى أصدقاء آخرين، مثل: روسيا والصين وتركيا؛ ولما لم تكن استجابة كل من روسيا والصين بالقدر المطلوب، كانت تركيا هي الصديق المعروف بالصدق في علاقاته، حيث تلتزم بما توقع من اتفاقات طالما وقعتها.
- إذًا أنت ترى أن تركيا يمكن أن تعيد في السودان نماذج تدخلاتها في صراعات الدول الأخرى؟
بالطبع، فالتدخلات التركية مع حلفائها من الدول جميعها صادقة، على العكس من الكثير من الدول التي تعد ولا تفي؛ وعلى سبيل المثال: في ليبيا، كادت البلاد كلها أن تسقط في يد حكومة “خليفة حفتر” المدعومة إماراتيا، لتعيد أنقرة استقرار الأوضاع على الأقل، بوقوفها إلى جانب حكومة طرابلس، وأضحت السلطة المركزية هناك مستقرة؛ وكذلك في الخليج، حين حدثت أزمة بين قطر وباقي دول الخليج، سارعت تركيا للتدخل لصالح قطر، بحوالي 4 آلاف جندي، تمكنوا من تثبيت السلطة فيها.
- أينسحب ذلك إلى إدخال قوات تركية إلى السودان؟ أم يعني يقتصر على الامداد اللوجستي والعسكري؟
في الوقت الحالي، سيقتصر التدخل على الامداد اللوجستي والعسكري، لأن التدخل المباشر يستدعي توقيع اتفاقية للدفاع المشترك، وهو ما يحتاج لتجهيزات ومراجعات لظروف السودان المحيطة، وعلاقاته مع دول أخرى، وهو ما يصعب عمله، في ظل الظروف الحالية؛ لكن قد يزداد الدعم اللوجيستي للسودان في الفترة القادمة، سعيًا لتحقيق توازن على الأرض، لاسيما والمليشيا تسعى لابتلاع البلاد، وترتكب كل الفظائع في سبيل، مثلما حدث في الفاشل وفي أي مدينة دخلتها.
- هل من خطوط حمراء تقف أمام أنقرة في تدخلها في السودان؟
ليست هناك أية خطوط حمراء، السودان دولة حرة ذات سيادة، ومن حقها طلب الدعم من أي دولة، لأنها الآن في حاجة إلى دعم حقيقي، سواء كان بقوات مقاتلة أو بامداد عسكري يتمثل في: معدات وأسلحة وغير ذلك، وفقًا لما تقتضيه المصلحة؛ وبنص الدستور الجيش السوداني مسؤول عن حماية الدولة، وهو المؤسسة الوحيدة المتماسكة، والمعترف بها الآن في البلاد، لذا من حقه أن يكون صاحب الكلمة في تلقي الدعم الذي يحتاج، في ظل تفتت القوى السياسية، وتماهي بعضها مع المليشيا والجهات الداعمة لها.
حاجة السودان لتركيا

- كيف تقدر حاجة السودان لمثل هذا التدخل؟
الدولة السودانية الآن في طريقها إلى الانهيار، على الرغم من تمكن الجيش من استعادة الكثير من المناطق والسيطرة عليها، لكن الدعم السريع- الجنجويد- احتلت مناطق أخرى كثيرة، وفرضت سيطرتها عليها، بسبب تواجدها السابق في تلك المناطق، من قبل الحرب، باعتباره أمر واقع، كأنه انقلاب، وفي هذه الحالة، من حق السودان الآن أن يقوي علاقاته مع أي دولة تقف معه، لأنه مهدد في وجوده كدولة، وليست مسألة انتصار في معركة أو هزيمة فيها؛
وما حدث بعد ذلك، هو ما سبق أن ذكرته، أن السودان لم يجد عونًا من الدول العربية، وهي العضو المؤسس في جامعة الدول العربية، لكن دول الجامعة لم تحرك واحدة فيها قافلة إغاثة واحدة لدعم السودان؛
وكما قلت كانت مصر عي الاستثناء الوحيد لذلك، بحكم العلاقة التاريخية بين البلدين، فالسودان جزء من مصر، والبلدين ينظر إليهما باعتبارهما بلد واحد، حتى في تاريخ الحروب العربية (1948- 1967- 1973- حرب الاستنزاف)، كلها كان السودان يقف إلى جانب مصر، وحينما قاطعت الدول العربية مصر بعد كامب ديفيد، لم يقاطعها السودان، ومن هنا كان موقف الأشقاء في مصر هو المتوقع، ونطمع في المزيد إن شاء الله؛
- ما تأثير المسيرات التركية (بيرقدار تي بي 2 وأكينجي) التي زود بها الجيش على المعادلة العسكرية في السودان؟
أتوقع أن تستطيع تغيير المعادلة العسكرية على الأرض، لأن هذه المسيرات أثبتت كفاءتها العالية، حتى حين استخدمت حتى في الحرب الروسية الأوكرانية، ومن المعروف عن تركيا تقدمها الكبير في مجال صناعة الطائرات المسيرة، ومن هنا ستغير تلك المسيرات معادلة الصراع، وتدعم الجيش السوداني في تحركه، لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها المليشيا في دارفور وكردفان.
سواكن… مدنية أم عسكرية

- بدأت تركيا منذ فترة تنفيذ مشروع سواكن، الذي انتشر إعلاميا أنه قاعدة عسكرية لها على البحر الأحمر، فما مصير هذا المشروع في ظل التطورات الجارية؟
سواكن في الحقيقة ليست قاعدة عسكرية، ولكنها مشروع تركي لإنقاذ الأثار فيها، وقد ذهبت بنفسي إليها، ورأيت عمليات الإعمار، التي بدأت عام 2016 تقريبًا، لكن لأسف توقف هذا الإعمار الآن؛ فهي ليست قاعدة عسكرية، إنما إنقاذ للأثار، لتحويل المنطقة إلى أماكن سياحية، يمكن أن تجذب دخل للسودان.
- إذًا أنت تنفي وجود مشروع لبناء قاعدة عسكرية تركية في سواكن؟
نعم، فقد زرت سواكن بنفسي، وليس هناك أي وجود عسكري هناك، ولا حتى حذاء عسكري هناك، إنما كانت توجد شركات تعمل في مجال الإعمار.
- وبم تفسر كثرة الحديث عن تلك القاعدة المزعومة؟
مجرد دعاية سياسية، لاسيما أيام النظام السابق، في سبيل تضييق الخناق على الشعب، بأنه بدأ ببناء قواعد أجنبية في البلاد، وهو نفس الكلام الذي يدور عن بناء قواعد روسية، دون أن يوجد جندي روسي واحد في البلاد حتى الآن، ومع ذلك يكثر الحديث عن وجود تلك القاعدة.
مستقبل التدخل التركي

- كيف ترى مستقبل التدخل التركي في السودان؟
للأسف العالم الآن أصبح غابة، ليس فيها وجود لأي قانون يحمي الدول، وخير دليل على ذلك ما حدث في غزة من تكالب الدول عليها، وهي القطاع الصغير المحاصر، ومن هنا يحق لأي دولة في موقف ضعف الاستعانة بدولة أخرى، تراها مناسبة لمساندتها، وحماية نفسها من هذا التوحش، ومن فهذا التدخل التركي الإيجابي المشروع، سينسحب على الإمداد بالأسلحة، والعون العسكري، لعلاج المشكلات التي يمر بها السودان.
وعلى المستوى الشخصي، أتمنى أن تكمل تركيا طريقها في الدعم الكبير للجيش السوداني، وهو احتمال وارد جدا، إذ أن الحكومة السودانية أضحت مثل الغريق الذي يتعلق بقشة، تحمله معها إلى بر الأمان.
إن كانت المصالح هي أساس السياسة الدولية، فبالتأكيد ستحقق تركيا مصالح كبرى من وراء هذا الدعم، بما يعارض مصالح أطراف أخرى، ليشكل الأمر في مجملة صورة للتنافس الدولي على أرض الذهب، وهو ما نستعرضه من الدكتور “آدم” في الحلقة القادمة من الحوار.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم