شارك الدكتور حسن يحيى، أمين اللجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، في فعاليات المؤتمر العلمي الذي نظمته كلية البنات الإسلامية بجامعة الأزهر بأسيوط، تحت عنوان “الحضارة الإنسانية في التراث العربي والإسلامي.. أصالة الأثر وعالمية التأثير”.
وأشار الدكتور يحيى خلال كلمته إلى أن انعقاد مؤتمر دولي حول الحضارة في صعيد مصر ليس بالأمر الغريب، إذ يمثل الصعيد مهدًا للحضارات منذ فجر التاريخ، كما أن جامعة الأزهر التي تحمل لواء الدين والفكر المستنير، لها دور رائد في استعراض معطيات الحضارة الإسلامية.
كما نوّه إلى أن تنظيم كلية البنات الإسلامية لهذا المؤتمر يعكس دور المرأة في صناعة الحضارة ورعايتها، فالمؤسسة الأكاديمية التي تؤهل المرأة فكريًا وعلميًا تعد عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمعات.
الحضارة في الإسلام.. أسس البناء والتراجع
خلال عرضه لبحثه المشارك في المؤتمر، والذي حمل عنوان “أسس صناعة الحضارة في الإسلام”، طرح الدكتور حسن يحيى تساؤلًا محوريًا: ما هي الأسس التي قامت عليها الحضارة الإسلامية؟ ولماذا تراجعت بعد قرون من الازدهار؟
أوضح أن دراسة تاريخ العرب قبل الإسلام تظهر أنهم لم يكونوا يملكون مقومات حضارية واضحة، لكن مع مجيء الإسلام وما حمله من قيم وتشريعات، تحوّل العرب إلى رواد حضاريين، استطاعوا بناء حضارة علمية وإنسانية متكاملة.
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية قامت على أسس عقائدية وتشريعية وأخلاقية، وأن أي ابتعاد عن هذه الأسس يؤدي إلى انهيارها، وهو ما حدث في عصور التراجع، حيث أدى التخلي عن القيم الإسلامية إلى انحسار التأثير الحضاري للعالم الإسلامي.
العقيدة الإسلامية.. الركيزة الأولى للحضارة
أكد الدكتور يحيى أن العقيدة الإسلامية تشكل محور الحضارة، حيث إنها تغرس في الإنسان منظومة من القيم التي تحكم سلوكه وتوجه تفكيره وإنتاجه.
وأوضح أن العقيدة ليست مجرد معتقدات نظرية، بل هي قوة دافعة تنظم حركة الإنسان في الكون، وتضبط الإنتاج الحضاري بما يتوافق مع القيم الروحية.
كما أشار إلى أن الحضارة ليست مجرد تشييد مبانٍ ومؤسسات، بل هي رؤية متكاملة توظف الإمكانيات المادية في إطار تحقيق الخير الإنساني وفق مراد الله، مؤكدًا أن الحضارة التي تنفصل عن العقيدة تصبح مجرد إنجازات مادية تفتقد للبعد الإنساني.
الشريعة.. الأساس التشريعي لبناء الحضارة
تطرق الدكتور حسن يحيى إلى دور الشريعة الإسلامية في تشكيل الحضارة، مبينًا أن الشريعة لا تقتصر على العبادات والأحكام الفقهية، بل تشمل منظومة حضارية متكاملة تنظم حياة الإنسان، وتحفظ الضرورات الخمس (الدين، النفس، العرض، المال، العقل).
وأوضح أن الحضارة الإسلامية تميزت عن غيرها بفضل التشريعات التي تضمن العدالة الاجتماعية، وتحمي الحقوق، وتوجه النشاط الاقتصادي والعلمي في مسار يخدم الإنسان والمجتمع.
كما أكد أن غياب الشريعة يؤدي إلى تحول المنجزات الحضارية إلى مجرد أدوات تكرّس الظلم والاستغلال بدلاً من تحقيق التنمية والعدل.
الأخلاق.. الحافظة للمنجزات الحضارية
شدد الدكتور يحيى على أن الأخلاق هي “الحافظة الحقيقية للحضارة”، مشيرًا إلى أن أي حضارة لا تقوم على أسس أخلاقية تنهار سريعًا، حتى لو بلغت قمة التقدم المادي.
وأوضح أن الحضارة الإسلامية تميزت بربط العلم بالأخلاق، حيث استمدت قيمها من القرآن الكريم والسنة النبوية، مما جعلها حضارة إنسانية راقية، تحترم حقوق الإنسان وتصون كرامته.
وفي المقابل، أشار إلى أن الحضارات التي فصلت الأخلاق عن التقدم العلمي، أصبحت تهدد الإنسانية، وتحولت إلى أدوات للهيمنة والاستغلال، وهو ما نشهده في العالم اليوم.
رؤية مستقبلية لإحياء الحضارة الإسلامية
في ختام كلمته، قدم الدكتور حسن يحيى عددًا من التوصيات التي تهدف إلى إحياء الحضارة الإسلامية في العصر الحديث، من أبرزها:
1. بناء تصور حضاري شامل يشارك فيه الباحثون والمؤسسات الأكاديمية، بهدف استعادة القيم الإسلامية في بناء المجتمع.
2. ترسيخ الفكرة الحضارية في المناهج التعليمية عبر تضمين المقررات الدراسية لمفاهيم تجمع بين المقومات المادية والروحية للحضارة.
3. إعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة حضارية تستخلص القيم الحضارية من مختلف العلوم الإسلامية، مع تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تروجها بعض الاتجاهات الفكرية المناهضة للحضارة الإسلامية.
4. مواجهة الشبهات الفكرية حول الحضارة الإسلامية من خلال تنظيم منتديات شبابية وندوات تثقيفية، تهدف إلى توعية الأجيال الجديدة بأهمية الحضارة الإسلامية في تاريخ البشرية.
الإنسان هو الهدف الأول للحضارة
اختتم الدكتور حسن يحيى حديثه بالتأكيد على أن “هدف الحضارة هو الإنسان قبل أي شيء آخر”، مشيرًا إلى أن أي حضارة تفقد إحساسها بقيمة الإنسان وكرامته، فإنها تصل إلى مرحلة الانهيار، مهما بلغت من التقدم المادي.
كما أكد أن الشريعة الإسلامية قدمت نموذجًا حضاريًا راقيًا، جعل الإنسان محور الاهتمام، وحفظت حقوقه من خلال منظومة تشريعية متكاملة، مما أدى إلى ازدهار الحضارة الإسلامية عبر العصور.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم
