تقرير: سمر صفي الدين
كلّف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، أمس السبت، غادي آيزنكوت، أبرز منافسي رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، بتشكيل حكومة جديدة، في خطوة عكست تحولاً في موازين القوى السياسية داخل إسرائيل، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على قيادة الحكومة.
وأعلن مكتب الرئيس الإسرائيلي، في بيان رسمي، أن هرتسوغ أبلغ زعيم حزب “يشار” عزمه تكليفه بتأليف الحكومة الجديدة، مشيرًا إلى إقامة مراسم رسمية بهذه المناسبة في مقر إقامة الرئيس، الأحد.
وعقب التكليف، أكد آيزنكوت، الذي تولى رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، استعداده لبذل كل ما يلزم لتشكيل الحكومة، داعيًا إلى إقامة حكومة طوارئ وطنية لمواجهة المسؤوليات الملقاة على عاتقها.
فيما كتب آيزنكوت، عبر منصة “إكس”، أن المرحلة الحالية تتطلب تشكيل حكومة طوارئ وطنية، مؤكدًا عزمه العمل لضمان قدرة الحكومة المقبلة على تحمل مسؤولياتها.
صراع على هوية إسرائيل
في قراءة لأبعاد هذا التحول، اعتبر المحلل السياسي والدبلوماسي السابق نعمان توفيق العابد، في تصريحات خاصة لـ”اليوم”، أن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مثلت صراعًا بين اتجاهين رئيسيين، أحدهما يمثله نتنياهو والآخر تقوده كتلة التغيير بزعامة آيزنكوت.
وأوضح العابد أن معسكر نتنياهو يسعى إلى ترسيخ هوية دينية للدولة الإسرائيلية، بينما يتجه معسكر التغيير نحو تكريس هوية علمانية، تقوم على احترام القانون والمؤسسات القضائية، وفي مقدمتها المحكمة العليا.
كما أضاف أن أهمية هذه الانتخابات تجاوزت التنافس التقليدي على المقاعد البرلمانية، لتصل إلى تحديد طبيعة الهوية الداخلية لإسرائيل، ومدى الفصل بين الدين والسياسة خلال المرحلة المقبلة.
ورجح العابد نجاح آيزنكوت في تشكيل الحكومة، معتبرًا أن هناك توافقًا واسعًا داخل معسكر التغيير على منع نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف من العودة إلى قيادة الحكومة.
لكنه استبعد أن ينعكس هذا التحول بالضرورة على الملفات الخارجية، موضحًا أن التغيير المحتمل يتعلق أساسًا بالهوية السياسية الداخلية، وليس بالضرورة بمواقف إسرائيل تجاه القضية الفلسطينية أو إيران أو لبنان وقطاع غزة.
فرص تشكيل الحكومة
حول فرص تجاوز العقبات البرلمانية، رأى العابد أن آيزنكوت يمتلك أكثر من مسار لتشكيل الحكومة، حتى دون إشراك الأحزاب العربية بصورة مباشرة داخل الائتلاف الحكومي.
وأوضح أن بإمكان آيزنكوت الاستفادة من دعم الأحزاب العربية من خارج الحكومة، بما يسمح بتجاوز اعتراض بعض أطراف معسكر التغيير على مشاركتها المباشرة في الائتلاف.
كما أشار إلى احتمال آخر يتمثل في تمرير الحكومة بأغلبية الحاضرين في جلسة التصويت بالكنيست، إذا قررت المعارضة مقاطعة الجلسة أو التغيب عنها، مؤكدًا أن تشكيل الحكومة لا يشترط بالضرورة الحصول على 61 صوتًا مؤيدًا في جميع الظروف.
وفي المقابل، حذر العابد من أن نتنياهو لا يزال يمتلك أوراق ضغط سياسية، أبرزها محاولة التشكيك في شرعية حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، إلى جانب الضغط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية.
67 توصية برلمانية
حول دلالة حصول آيزنكوت على توصية 67 عضوًا بالكنيست لتشكيل الحكومة، مقابل 46 عضوًا أوصوا بتكليف نتنياهو، اعتبر العابد أن هذه الأرقام كشفت اتساع الفجوة السياسية بين المعسكرين.
وأوضح أن معسكر نتنياهو يمتلك 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر آيزنكوت، لكن التوصيات الرئاسية أظهرت حصول الأخير على دعم إضافي من الأحزاب العربية، مقابل تراجع الدعم المعلن لنتنياهو.
كما لفت إلى أن امتناع الأحزاب الحريدية عن ترشيح نتنياهو أسهم في إضعاف موقفه السياسي، وكشف عن وجود تباينات داخل المعسكر الذي كان يعتمد عليه للاحتفاظ بالسلطة.
انقسام داخل الليكود
في سياق متصل، أشار العابد إلى أن آيزنكوت يسعى لاستقطاب أعضاء من حزب الليكود، عبر طرح تشكيل حكومة وحدة وطنية صهيونية، تستبعد شخصيات اليمين المتطرف، وعلى رأسها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وأوضح أن بعض أعضاء الليكود قد يجدون في هذا المسار فرصة للتخلص من نتنياهو، الذي يحملونه مسؤولية جانب من الأزمات السياسية التي تواجه الحزب وإسرائيل.
وأضاف أن هناك داخل الليكود من يرى أن ارتباط نتنياهو بالأحزاب اليمينية المتطرفة أسهم في زيادة عزلة إسرائيل السياسية، وتراجع علاقاتها مع عدد من الأطراف الدولية.
ورغم محاولات نتنياهو الأخيرة الابتعاد عن بعض حلفائه المتشددين، واستعداده المعلن لتشكيل حكومة موسعة، استبعد العابد قبول كتلة التغيير حكومة تضم نتنياهو شريكًا في السلطة.
ورجح أن يتمكن آيزنكوت من اختراق حزب الليكود واستقطاب عدد من أعضائه للمشاركة في حكومته، معتبرًا أن هذا المسار قد يمنحه فرصة لتجاوز العقبات التي تواجه تشكيل الائتلاف.
ملفات تحاصر نتنياهو
في المقابل، يواجه نتنياهو تحديًا سياسيًا متزايدًا للاحتفاظ بالسلطة، رغم استمرار فرص عودته إذا أخفق آيزنكوت في تشكيل ائتلاف حكومي.
وحصل حزب الليكود، بقيادة نتنياهو، على أكبر عدد من المقاعد بين الأحزاب المنفردة بواقع 27 مقعدًا، لكن نتائج المعسكر بأكمله لم تسمح له بتحقيق الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
وزادت الضغوط على نتنياهو بعد إحجام حزب يهدوت هتوراه، أحد أبرز ممثلي اليهود المتشددين دينيًا وحلفائه التقليديين، عن التوصية بأي مرشح لتشكيل الحكومة.
وتتجاوز أزمة نتنياهو الحسابات البرلمانية، في ظل استمرار اتهامات الفساد التي ينفيها، والتي قد تترتب عليها عقوبات قانونية تصل إلى السجن في حال إدانته.
كما يواجه مذكرة اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية على خلفية حرب غزة، بينما رفض مكتبه القرار ووصفه بأنه معادٍ للسامية، مؤكدًا عدم اعتراف إسرائيل بسلطة المحكمة.
ويواصل نتنياهو حاليًا رئاسة حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل ائتلاف جديد، بينما يضع تكليف آيزنكوت مستقبل القيادة السياسية الإسرائيلية أمام اختبار حاسم، تتداخل فيه الحسابات الحزبية مع الخلافات الأمنية والقانونية.
موقع اليوم جريده اليوم – جريدة اليوم