استقرار اللحوم الحمراء في مواجهة الأزمات.. وخسائر متصاعدة تضغط على قطاع الدواجن وتهدد بخروج المربين من السوق

خسائر تصل إلى 25 جنيهًا في الكيلو.. صناعة الدواجن تنزف وسط ارتفاع تكاليف الإنتاج

كيف تغيّرت خريطة أسعار البروتين بين اللحوم والدواجن في الأسواق؟

 

تقرير – محمود عبد العظيم وسماح غنيم:

تشهد أسواق البروتين الحيواني في مصر خلال الفترة الأخيرة حالة من التباين اللافت، بين استقرار نسبي في أسعار اللحوم الحمراء، وضغوط متزايدة تضرب قطاع الدواجن، ما يعكس تحولات عميقة في بنية السوق، ويطرح تحديات أمام المنتجين وصناع القرار للحفاظ على استدامة الأمن الغذائي.

استقرار اللحوم الحمراء بدعم الإنتاج المحلي

في هذا السياق، أكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن سوق اللحوم الحمراء نجح في الحفاظ على حالة من الاستقرار النسبي خلال العامين الماضيين، موضحًا أن الأسعار لم تشهد قفزات حادة، رغم التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا.

وأشار إلى أن هذا الاستقرار جاء نتيجة زيادة المعروض المحلي والتوسع في الإنتاج، إلى جانب تحسن منظومة الإمداد، ما ساعد على تحقيق توازن واضح بين العرض والطلب. وأضاف أن السوق تمكن من امتصاص صدمات ارتفاع التكاليف، مقارنة بقطاعات غذائية أخرى شهدت تقلبات أكبر.

وتتفق هذه الرؤية مع تقديرات خبراء في القطاع الزراعي، الذين يرون أن تنمية الثروة الحيوانية وتحسين الإنتاج المحلي كان لهما دور رئيسي في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي الحد من تأثر الأسعار بالتغيرات العالمية.

الدواجن تحت الضغط بسبب الخسائر.. فجوة بين التكلفة وسعر البيع

في المقابل، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا داخل قطاع الدواجن، حيث كشف الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، أن الصناعة تمر بمرحلة “شديدة الصعوبة”، نتيجة استمرار البيع بأسعار تقل عن التكلفة الفعلية للإنتاج.

وأوضح أن سعر كيلو الدواجن في المزرعة يتراوح حاليًا بين 55 و60 جنيهًا، في حين تصل تكلفة الإنتاج إلى ما بين 75 و80 جنيهًا، ما يعني أن المنتجين يتكبدون خسائر تتراوح بين 20 و25 جنيهًا في الكيلو الواحد.

وأشار الزيني إلى أن هذه الخسائر المتراكمة تضغط بشكل خاص على صغار المربين، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في الاستمرار، في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف ومستلزمات الإنتاج، التي تمثل النسبة الأكبر من تكلفة الإنتاج.

طبيعة صناعة الدواجن تزيد من حدة الأزمة

من جانبه، أوضح الدكتور صلاح الدين الصفتي، رئيس قسم إنتاج الدواجن بكلية الزراعة – جامعة عين شمس، أن طبيعة صناعة الدواجن تجعلها أكثر حساسية لتقلبات السوق مقارنة بغيرها من القطاعات.

وأشار إلى أن دورة إنتاج دجاج التسمين قصيرة نسبيًا، ما يجبر المربين على طرح الإنتاج فور انتهاء الدورة، دون القدرة على التخزين أو تأجيل البيع، وهو ما يجعل الأسعار تتأثر بسرعة بأي زيادة في المعروض أو تراجع في الطلب.

وأضاف أن سلسلة إنتاج الدواجن معقدة، حيث تبدأ قبل سنوات عبر قطعان الأجداد والجدود، مرورًا بالأمهات والتفريخ، وصولًا إلى المنتج النهائي، ما يعني أن أي اضطراب في السوق قد تكون له تداعيات ممتدة على المدى الطويل.

خسائر كبيرة في الدواجن تهدد بخروج المربين من السوق

ويحذر مسؤولو القطاع من أن استمرار البيع بخسارة قد يؤدي إلى خروج عدد من المربين من السوق، خاصة صغار المنتجين، وهو ما أكده نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، مشيرًا إلى أن تقليص دورات التربية أصبح خيارًا مطروحًا لدى البعض لتقليل الخسائر.

وتكمن الخطورة في أن تراجع أعداد المربين قد يؤدي لاحقًا إلى انخفاض المعروض من الدواجن، ما يخلق فجوة في السوق، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل حاد، وهو سيناريو قد يضر بالمستهلك والمنتج في آن واحد.

المصدر الأرخص للبروتين

رغم هذه التحديات، تظل الدواجن أحد أهم مصادر البروتين الحيواني، حيث أكد الدكتور صلاح الصفتي أن استهلاك الفرد في مصر يتراوح بين 15 و20 كيلوجرامًا سنويًا، مقارنة بنحو 46.6 كيلوجرامًا في الولايات المتحدة، ما يعكس أهمية هذا القطاع في توفير غذاء منخفض التكلفة.

وأشار إلى أن لحوم الدواجن وبيض المائدة يتمتعان بقيمة غذائية مرتفعة، لاحتوائهما على بروتينات عالية الجودة، إلى جانب الفيتامينات والمعادن، ما يجعلهما عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي، خاصة للأسر محدودة الدخل.

مقارنة بين اللحوم والدواجن.. اختلاف في الهيكل والسلوك

يعكس التباين الحالي بين استقرار اللحوم الحمراء وتراجع أسعار الدواجن اختلافًا جوهريًا في طبيعة كل قطاع. فاللحوم الحمراء تعتمد على دورات إنتاج طويلة واستثمارات كبيرة، ما يجعل المعروض أكثر استقرارًا، بينما تتميز الدواجن بسرعة الإنتاج ومرونة العرض.

كما أن سلوك المستهلك يلعب دورًا مهمًا، إذ تُعد الدواجن البديل الأقل تكلفة، ما يجعل الطلب عليها أكثر تأثرًا بالتغيرات الاقتصادية. وفي فترات انخفاض الأسعار، قد يرتفع الاستهلاك، لكنه لا يعوض الخسائر التي يتحملها المنتجون.

كيف تغيرت خريطة أسعار البروتين؟

تشير المؤشرات إلى أن خريطة أسعار البروتين في السوق المصري شهدت تغيرًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث أصبحت اللحوم الحمراء تمثل خيارًا مستقرًا نسبيًا، في حين تحولت الدواجن إلى سلعة منخفضة السعر لكنها محفوفة بالمخاطر الإنتاجية.

ويرجع هذا التحول إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتغيرات في أسعار الأعلاف، إلى جانب تقلبات العرض والطلب. كما ساهمت الظروف الاقتصادية في إعادة تشكيل أولويات المستهلكين، ما أثر على توزيع الطلب بين أنواع البروتين المختلفة.

الحاجة إلى تدخلات لضبط السوق

في ظل هذه التحديات، يؤكد خبراء القطاع، ومن بينهم حسين أبو صدام وثروت الزيني، ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لدعم صناعة الدواجن، من خلال خفض تكاليف الإنتاج، وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة، إلى جانب تنظيم السوق بما يضمن تحقيق سعر عادل للمنتج والمستهلك.

كما يشددون على أهمية الحفاظ على استقرار سوق اللحوم الحمراء، عبر استمرار التوسع في الإنتاج وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.

معادلة صعبة بين المنتج والمستهلك

في النهاية، تكشف أزمة أسعار البروتين عن معادلة معقدة بين حماية المنتج وضمان أسعار مناسبة للمستهلك. فبينما يستفيد المستهلك حاليًا من انخفاض أسعار الدواجن، يتحمل المنتج خسائر تهدد استمرارية النشاط.

ويبقى التحدي الرئيسي أمام صناع القرار هو تحقيق توازن مستدام يضمن استقرار السوق، ويحافظ على واحدة من أهم الصناعات المرتبطة بالأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية محليًا وعالميًا.

 

محمود عبد العظيم محرر، وصحفي ديسك، عمل بالعديد من الصحف والمواقع المصرية والعربية

اترك رد